وقد قال بعض من قصر علمه : إنه لا ينبغي لصاحب القوت الذي وضع لنفسه القوت من الطعام ، أن ينقص منه ، وإن حلّ بالمثلة ، وحلّت به الكلفة ، ولا يطعم منه سائلا ولا مسكينا .
قلت : أكل الفقير في أي حال أفضل ؟ وفي أي الأحوال يكون الترك أفضل ؟
قال : أفضل الأحوال التي يترك فيها من فضول الطعام أو الشراب حال الأثرة « 1 » ، فيأخذ الأقل من الكفاية ، ويؤثر بالأكثر ، لأن الأكثر لا يصاب إلا بالكلفة . وبذل الحيلة في طلب الأكثر طلبا للطاعة بالإيثار به أفضل ، ويأخذ الأقل لما فيه من الدعة والراحة ، ولا يأخذ الأكثر لما فيه من التعب والمؤنة .
ولا يكون أخذ الأقل أفضل لأخذ الأقل ، إنما يكون أفضل لهذه المعاني : للأثرة أو لرجاء الراحة ، وترك التعب والنصب .
وأما الاشتغال بطلب الأكثر عن طلب الأفضل ، فإما أن يتركه لأن تركه أفضل وإما ألا يتركه لأنه لا ينبغي الترك ولا يكون .
وقد قال قوم : إنه يترك الفضل من الطعام ، ويأخذ القوت ، وإن لم يقدم على الفضل فهو أفضل ، لأنه إذا أخذه ضعف عن الطاعة ، ودعته نفسه إلى المعصية فليس عندهم أزجر عن المعصية ، ولا أبعث على الطاعة من قلة الطعام ، وليس هكذا . معاذ اللّه أن يكون أحلّ شيئا ، فإذا أخذ دعا إلى المعاصي وثبط « 2 » عن الطاعة . ليس شيء أبعث على الطاعة مما رغب اللّه فيه من الخير ، ولا شيء أزجر عن المعصية مما خوف اللّه به من النار ، وقد ينبعث الخائف الراجي بذكر ما وعد اللّه على الطاعة ، وبذكر ما أوعد اللّه من العقاب فينزجر . ولو كان قلة الطعام أبعث لكان اللّه قد ذكره في القرآن ، وكرر ذكره ، ولكنه زهد فيه ، ورغب في تركه .
واعلم أنّ كل فضيلة نافلة ، لها شبيه من الفريضة مما فرض اللّه ، يستدل بها على ما نفل . ولم يفرض اللّه الجوع فريضة ، ولم يرغب فيه نافلة ، إلا أن يجوع ليؤثر على نفسه بطعمة أهل المسكنة ، فإنّ اللّه قد مدح بذلك قوما فقال :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
[ الحشر : 9 ] .
هامش
( 1 ) الأثرة : الاستئثار ، وهو تفضيل المرء نفسه على غيره ، و - : المنزلة .
( 2 ) ثبط : ثبطه عن الأمر ثبطا : عوّقه وشغله وبطّأ به عنه .