فأما الفرض فليس للناس أن يتمثلوا ، يفعلون أو لا يفعلون ، فإن تمثلوا أثموا ، وإن انصرفوا عن التمثيل إلى الفعل سلموا ، وكتبت لهم الحسنات .
وأما الخطأ الموضوع فهو أن يريد الشيء ثم يتخطاه إلى غيره ، فهو عنه موضوع ، فهذا الخطأ الموضوع ، لأنه لا يعقل كيف ابتداؤه ، وكيف منتهاه ، فيرفع بذلك عن صاحبه التكلف .
ولو كان منه القصد إلى الفعل ، كان به مأخوذا .
الشّيطان « 1 »
قلت : ما معنى : الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ؟
قال : يجري بالوسوسة مجرى مقامه مع ابن آدم كمقامه مع الدم ، قال اللّه جل ثناؤه :
فَوَسْوَسَ لَهُمَا
[ الأعراف : 20 ] . فأجمع أهل التأويل على أنه وسوس إليهما وهما في السماوات ، وهو في الأرض ، لقوله :
فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
[ الأعراف : 13 ] اخرج من السماء . والقول الآخر : اخرج من الجنة .
قيل : فهل يعلم الشيطان ما تحدث به النفس ؟ فإنه يعارضها بالصد عن ذكر الخير .
قال : إنّ الشيطان طالت مقارنته للإنسان ، وتفقده له ولأحواله ، حتى لم تخف عليه حاله ، فعرف مطالبه ومذاهبه ، وقد ابتلى به العبد .
فعند كل خير صده عنه صدا ، من غير علم منه بما يحدث ، غير أنه قد علم أن خيرا قد أحدثه العبد ، وكذلك يعلم أنّ شرا قد أحدثه العبد ، لا يعلم أي خير ، ولا أي شر .
فيعارضه عند حدوث الخير بالصدّ ، وعند حدوث الشر بالتزيين . لأنّ الخير إذا أحدث استنار له وجه صاحبه عنده ، وإذا أحدث الشر شأن وجهه .
وكذلك الإنسان إذا طالت مقارنته لإنسان آخر فإنه يهتم بأمره ، ويعلم اهتمامه وسروره ، من غير أن يعلم ما الذي سره ، وما الذي غمه ، فتراه يقول إذا رآك مغموما :
فما الذي غمك ؟ وإذا رآك مسرورا قال : ما الذي سرّك ؟
هامش
( 1 ) الشيطان : كلّ عات متمرّد من الجن والإنس .