فعالم مع صمته ، ومتعلم حسنت في التعليم نيته ، ومفكر كانت بغيته على الصمت بعد همته .
فأما العالم فأول ما يلزم قلبه شدة التعظيم .
وأما المتعلم فأول ما يلزم قلبه حسن التسليم .
وأما المفكر فأول ما يلزم قلبه شدة الوجل « 1 » ، وحسن انبعاث العمل .
ثم تلزم العالم مع تعليمه للّه تعالى المحبة ، مع شدة الهيبة .
ويلزم قلب المتعلم وقار الفائدة ، مع انتظار الزائدة .
ويلزم المفكر الذي انبعث من تقصيره إلى التفكر في كدّ العمل ، شدة الوجل من فرط التقصير ، وكثرة تذكر ما إليه يصير .
فأول أبواب العبادات التفكر مع الزهادة في المعاصي ، فإنّ الفكرة تفتح ما بعدها ، وتحسن لصاحبها معونتها ، وهي أكبر عبادة القلب ، وأبعدها من سخط الرب .
فالفكرة تعين على عبادة الباطن ، وبها يقوى العبد على الظاهر ، يؤنس بها من الوحشة ، ويستعان بها على الوحدة ، وهي مفتاح الحكمة بأكرم الوسم ، ويلزم صاحبها حسن الاسم ، يعلو صاحبها الوقار ، ويأمن جليسه تبعة الإسرار .
فإذا أحكم التفكر هجم على لطيف الحكمة ، وبعدت منه التهمة ، وتنبه من ساعات الغفلة ، لأن قلبه لزمته العبادة ، وصار من العبادة إلى العناية .
وقد قيل : « اقتربوا من صاحب الصمت ، فإنه يلقى الحكمة » .
ثم تفتح للحكيم المتفكر الصامت الورع من أنواع أبواب البر ، في الجهر والسر ما ينشرح بالبر صدره ، فتزول عنه مكابدة الهوى ، وشدة مؤنة الأعداء ، فلا تكون عليه تبعة .
الغنى والشّكر والفقر
قلت : الغنى ما هو ؟
قال : الغنى إعظام النعم ، والدوام في أداء الشكر ، وقلة الاهتمام بما تكفل به الرب . فمن عظمّ نعم ربه أحبه ، وأدأب شكره .
هامش
( 1 ) الوجل : الخوف والفزع ( ج ) أوجال .