فعنده يضعون بثوثهم « 1 » ، وإليه يضرعون في حوائجهم ، قد اتخذوه حرزا وجنّة « 2 » وكهفا ؛ وثقوا به دون خلقه ، وانقطعوا إليه عز وجل عن كل قاطع يقطعهم عنه ، فاستوحشوا حين استأنس الناس استيحاشا من الخلائق واستئناسا بربهم .
فهذه مواريث التقوى ؛ لأنها أساس العمل ، وأصل الطاعة ، وهي أول منزلة العابدين وأعلاها ، لأن النوافل بعدها ، ولا تقبل نافلة إلا بها ومعها ، وهي التي أصبح عامة القراء لها مضيعين ، وقد أمر اللّه جل ثناؤه في كتابه في آيات كثيرة بها ، وعظّم قدرها وقدر القائمين بها ، وبينها النبي صلّى اللّه عليه وسلم بسنته ، وعظّم قدرها ، والعلماء من بعده إلى عصرنا هذا .
فأما تفسير ما أمر اللّه جل وعز به في كتابه : فإنه حدثنا سنيد بن داود ، عن حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
« 3 » قال : البر : ما أمرتم به ، والتقوى . ما نهيتم عنه .
وحدثنا الوليد بن شجاع ، عن ضمرة ، عن « 4 » رجاء بن أبي سلمة ، عن يونس ابن عبيد ، عن الحسن قال : ما عبد اللّه العابدون بشئ أفضل من ترك ما نهاهم عنه .
حدثنا الوليد ، قال : حدثنا عمر بن حفص بن ثابت الأنصاري ، عن سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن قال في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
هامش
( 1 ) جمع بث ، وفي تعريف البث يقول القرطبي : « حقيقة البث في اللغة : ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة ، التي لا يتهيأ له أن يخفيها ، وهو من بثثته أي : فرّقته . . . وقال ابن عباس : بثي :
همي ، وقال الحسن : حاجتي » ( تفسير القرطبي 10 / 251 ) .
( 2 ) الجنّة ، بضم الجيم : الوقاية . والحرز : الموضع الحصين .
( 3 ) المائدة : 2 .
( 4 ) في بعض النسخ المطبوعة : « بن » وهو تصحيف .