فانظر أرفع رجل تراه في المسجد » . فرفعت رأسي فإذا رجل يتبختر في حلة ، فقلت : هذا ، فقال : « ارفع رأسك فانظر أوضع رجل في المسجد » ، فإذا رجل عليه خلقان له ، قلت : هذا . فقال : « يا أبا ذر ، هذا عند اللّه خير من قراب الأرض مثل هذا » « 1 » ، لأنه ليس يرفع عنده إلا بالطاعة ، لا بالمال وغيره .
فإذا ألزم قلبه هذا ، خاف من كثرة ماله ، ورأى أن الفقير خير منه ، وأنه إنما فضل عليه بالبلاء والفتنة وكثرة واجب الحقوق ، ويعلم أن اللّه عز وجل قد منّ عليه بالمال لينظر كيف شكره ، وأنه لا يعرف أنه شكر اللّه عز وجل كما يحق له ، فيشفق من ذلك ويزول عنه العجب بالمال إن شاء اللّه .
قلت : فقد رأيت أكثر العلماء يسمّى من تكبّر معجبا ، ويصف العجب بصفة الكبر .
قال : إن أول بدوّ الكبر العجب ، فمن العجب يكون أكثر الكبر فمنه سمى الكبر ، ولا يكاد المعجب أن ينجو من الكبر .
فلما كان العجب هو الذي أخرج إلى الكبر وعنه كان ، فإنه يسمى به ودلّت أخلاق الكبر عليه ، لأنه قد يستعظم ما أعطى من دين أو دنيا ، ولا يتعظم به على أحد ، فذلك العجب إذا نسي منّة اللّه عز وجل بذلك ، فإذا تعظّم به على غيره وأنف منه فحقره فقد تكبر ، لأنه إذا أعجب بنفسه ولم يحقر غيره كان معجبا ، ولم يكن متكبرا ، فإذا أعجب بنفسه ثم نظر إلى غيره وقال
هامش
( 1 ) الحديث صححه ابن حبان 2 / 456 ( 681 ) ، وأخرجه أحمد 5 / 157 ، 170 ، والبزار [ كشف الأستار 4 / 242 ( 3629 ، 3630 ) ] ، وأبو نعيم في الحلية 8 / 115 . وقال الهيثمي في المجمع 10 / 265 : « ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار والطبراني رجال الصحيح » .
والخلقان : الثياب البالية الرثة ، وقراب الأرض : ما يقارب مملاها .