فلا ينبغي للمريد العارف أن يخدع نفسه وما جرب منها بأن يتعرّض للبلاء وليلزم العافية ، وإنما مثله مثل سابح رحم الغرقى ليخرجهم فتشبثوا به فغرّقوه ، وليته يغرق كغرق الماء ، ولكن يكون منه ما يتعرض به للمقت من اللّه عزّ وجلّ .
ومن قوى عزمه ، وهانت خطوات العدو عليه في قبول الرياء ، ولم يحمله على إظهار العمل إرادة غير اللّه عزّ وجلّ ، أو ظهر وهو لا يريد إظهاره فسرّ بما ظهر للناس ، فلم يهجه على ذلك قلة القنوع بعلم اللّه عزّ وجلّ وطلب علمهم ، ولكن أهاجه قلة القنوع بطلب الأجر في عمله وحده ، حتى أراد أن يتقرب بحضهم على طاعة اللّه عزّ وجلّ ، فيكون له أجر ذلك مع أجره على عمله ، ولم يجاوز قدره فيمن يقتدى به إلى من لا يقتدي به ؛ فهو أعظم أجرا .
وقد اختلف الناس في ذلك : فقالت طائفة من أهل العلم : عمل السر أفضل من عمل العلانية للقدوة وغيرها ، وعمل العلانية للقدوة أفضل من عمل العلانية لغير القدوة .
وقالت فرقة : عمل السرّ أفضل من عمل العلانية لغير القدوة ، وعمل العلانية للقدوة أفضل من عمل السر ، ولولا أن عمل العلانية للقدوة أفضل لما حضّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك . وإنما حضهم ليفعلوا ما يستن بهم ، وذلك لا يكون إلا علانية .
حضهم على عمل العلانية لهذا المعنى ، وأخبرهم أن لهم أجرهم وأجر من اتبعهم ، فهذا دليل على أنه أخرجهم بالحض والترغيب من عمل السر إلى عمل العلانية ؛ لكثرة الأجر ، لا إلى الرياء به ، وأخبرهم أن لهم أجرهم وأجر
الرعاية لحقوق الله — صفحة 323
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٣٢٣