بين الحارث بن أسد والمحدثين
لقد كان العصر الذي عاش فيه الحارث رحمه الله زاخرا بأئمة الحديث ورجاله المهتمين بروايته وحفظه وجمعه والرحلة في طلبه ، وقد كان لهم منهجهم المتميز في الفقه والتعامل مع النصوص ، كما كان لهم رأى ناقد لكل من خالف طريقتهم من أهل الرأي أو المتكلمين أو المتصوفة .
فقد كان كثير من أئمة الحديث يرفض الكلام في الدين بغير نص ، وينظر إلى المتكلمين برأيهم أو ذوقهم نظرة إنكار ولو كانوا يدافعون عن الدين ، ويردون على الباطل ، فهذا عبد الرحمن بن مهدي ( ت 198 ) شيخ الإمام أحمد بن حنبل يقول : « يحرم على الرجل أن يقول في أمر الدين إلا شيئا سمعه من ثقة » « 1 » وحين ذكر عنده أهل الرأي قال :
لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
[ المائدة : 77 ] « 2 » .
وقيل له : إن فلانا قد صنف كتابا في السنة ردا على فلان فقال : ردا بكتاب الله وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قيل : بكلام . قال : « رد باطلا بباطل » « 3 » وهذا يدل على أن هذه الطائفة من المحدثين كانت ترفض مبدأ الرد على الخصوم بنفس طريقة الخصوم ، وتعتبر أن من فعل ذلك فقد رد باطلا بباطل .
بل كانوا يواجهون بالتجريح أهل الرأي ، ويردون مروياتهم في بعض الأحيان « 4 » .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 9 / 3 .
( 2 ) حلية الأولياء 9 / 10 .
( 3 ) حلية الأولياء 9 / 10 .
( 4 ) انظر : رسالتي للدكتوراه « السنة النبوية بين أهل الحديث وأهل الرأي » ص 117 ، 118 .