للشيطان عليهم سبيل ، إذ قطعوا حب الدنيا من قلوبهم وأبدلوا قلوبهم إلزام حب اللّه عز وجل لها ، والاشتغال بالسيد وبمناجاته ، فقد خنس الشيطان عنهم وذل واعتزل ، كما اعتزل في خاطر الخمر والزنا والقتل من قلوب غيرهم من العابدين .
وقالت فرقة من أهل الشام : إنما يحتاج إلى الحذر من قلّ يقينه وضعف توكله ، فأما من أيقن بأن اللّه عز وجل لا شريك له في تدبيره ، ولا محدث في ملكه ما لا يريد ، وأنه لا يضرّ ولا ينفع شئ إلا به ، وأن الشيطان عبد مخلوق ذليل مهين ، لا تنفذ له خطرة ولا مكيدة إلا بإذن اللّه عز وجل فيها ، فالعارف باللّه عز وجل يرجع إلى اللّه عز وجل ، بالتوكل والاستحياء منه أن يراه يحذر مخلوقا دونه ، فالحذر لغير اللّه عز وجل نقص من اليقين والتوكل ، فأولى به الثقة باللّه عز وجل واليقين ، لأنه لا ضار ولا نافع غيره ، فلا يحذر عدوّا ولا غيره .
وقالت فرقة من أهل العلم : كلا الفريقين غالط . أما ما قالت الأولى فإن من الاشتغال باللّه عز وجل والحب له حذر ما حذّر منه ، واتباع أمره فيمن أمر بالحذر منه ، لأنه عز وجل يقول :
فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
« 1 » .
وقال عز وجل للناس كلهم لا يحاشى ضعيفا ولا قويّا :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
« 2 » وقال عز وجل :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
« 3 » .
هامش
( 1 ) فاطر : 6 .
( 2 ) الأعراف : 27 .
( 3 ) الأعراف : 27 .