قلت : فكيف أذكره ذكرا يباشر قلبي ذكره ؟
قال : أن تفرغ قلبك حين تذكره من ذكر كل شئ إلّا من ذكره ، فإذا ذكرته كذلك باشر ذلك قلبك ، إذ لا شئ فيه غيره ، ولم يلبث أن يتبيّن ذلك على بدنك ، وكما وصف اللّه عزّ وجلّ قلب أمّ موسى عليه السلام ، حين فرّغ من كل شئ إلا من ذكر موسى صلّى اللّه عليه وسلم قال :
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً
« 1 » . أي من كل شئ إلا من ذكر موسى عليه السلام .
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ
« 2 » ، قال تقول : ابناه .
فأخبر تعالى ، أن فؤادها لما فرغ من ذكر كل شئ إلا من ذكر ابنها كادت أن تبديه فيكون في ذلك ما تحاذر وما يهلك ، فكيف لا يظهر ويتبيّن على من فرّغ قلبه لذكر الموت وما يبدو منه فيه نجاته ، فمن فرّغ قلبه من ذكر كل شئ إلا من ذكر الموت غلب على قلبه من الحزن والهمّ ، ما يكاد أن يجد طعم الموت منه ، كما روى عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه قال :
« يا معشر الحواريين ادعوا اللّه عزّ وجلّ ، أن يهوّن عليّ هذه السكرة ، فلقد خفت الموت حتى أوقفني خوفي من الموت على الموت » .
فمن باشر ذكر الموت قلبه انكسر عن الدنيا فؤاده ، وقلّ سروره وفرحه وحسده فيها ، كما قال أبو الدرداء : من باشر ذكر الموت قلبه قلّ فرحه وحسده « 3 » .
* * * * * *
هامش
( 1 ) القصص : 10 .
( 2 ) القصص : 10 .
( 3 ) أخرجه ابن أبي شيبة 13 / 306 ( 16431 ) ، وابن المبارك في زوائد الزهد ( 149 ) ، وأبو نعيم في الحلية 1 / 220 ، واللفظ عندهم : « من أكثر من ذكر الموت قلّ حسده ، وقلّ فرحه » .