ولقد تمنى بعضهم أن ينزع نفسه أبدا ، ولا يبعث لثواب ولا عقاب ، ومن ذلك : أنه قيل لعطاء السلمي عند الموت ، وأغمي عليه وأفاق ، وهم يدعون اللّه عز وجل ، فقال : فيم أنتم ؟ قالوا : كنّا ندعو اللّه أن يخفف عنك هذه السكرة ، فقال : لا تفعلوا فوددت أنها تردد من لهاتي « 1 » إلى حنجرتي ولا أبعث أبدا للقيامة « 2 » .
فما ظنك بإحدى البشريين ، لو وقعت في سمع المكروب المجدّل الحزين ، المرتقب لبشرى الجنة أو بشرى بالنار ، فإن قيل له : أبشر بالنار يا عدو اللّه ، فياللّه من قلب أيقن بالإياس من رحمة اللّه ، وعلم أن ضعفه لن ينجو من عذاب اللّه فعندها تنقطع نفسه حسرات فيسأل الرجوع .
فيقول :
رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
« 3 » !
هيهات ! خسرت يداه ، وانقطع من اللّه رجاؤه ، وبدا له غير ما كان يحتسب من ربه عز وجل ، ردت عليه ندامته وتوبته ، وحيل بينه وبين الرجوع إلى الدنيا ؛ ليعتب من أسخطه ، ثم لا تسأل ما بعد هذه الأحوال من الحال .
وإن سمع البشرى من اللّه عز وجل بأنه قد رضى عنه ، وأن له الجنة ، إليها منقلبه ، لا تسأل عن فرح قلبه وسروره ، وتحقيق رجائه وحسن ظنه بربه ، وأمنه على بدنه من العذاب بعد طول مخافته وإشفاقه وكذلك قال اللّه عز وجل في كتابه :
هامش
( 1 ) اللّهاة : الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم ، وهي مفرد اللّها ، واللهوات ، واللهيات .
( 2 ) انظر : حلية الأولياء 6 / 244 .
( 3 ) المؤمنون : 99 ، 100 .