الأمصار المختلفة وبخاصة في بغداد والكوفة والبصرة ، فأخذ عن علمائها ، وروى عن شيوخها .
كما تتلمذ الحارث على الشافعي ( ت 204 ه ) وتلقى عنه الفقه وأصوله .
وهكذا قضى الحارث فترة هامة من حياته في بيئات المحدثين والفقهاء ، علاوة على ورعه الذي عرف به منذ صدر حياته .
فقد حكى ابن ظفر المغربي في كتابه « أنباء نجباء الأبناء » ص 14 أن الحارث المحاسبي - وهو صبي - مر بصبيان يلعبون على باب تمار ، فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم ، وخرج صاحب الدار ومعه تمرات ، فقال للحارث :
كل هذه التمرات . قال الحارث : ما خبرك فيها ؟
قال : إني بعت الساعة تمرا من رجل فسقطت منه تمرة . فقال : أتعرفه ؟
قال : نعم . فالتفت الحارث إلى الصبيان الذين يلعبون ، وقال : أهذا الشيخ مسلم ؟ قالوا : نعم . فمر وتركه .
فتبعه التمار حتى قبض عليه ، فقال : والله ما تنفلت من يدي حتى تقول لي ما في نفسك منى . فقال : يا شيخ ، إن كنت مسلما فاطلب صاحب التمرات ، حتى تتخلص من تبعاته ، كما تطلب الماء إذا كنت عطشانا شديد العطش ، يا شيخ ، تطعم أولاد المسلمين السحت - أي الحرام - وأنت مسلم ؟
فقال الشيخ : والله لا اتجرت للدنيا أبدا « 1 » .
وقد سبق أنه تنزه عن ميراثه في مال والده مع شدة حاجته ، مما يدل على أن ميله إلى الزهد والورع بدأ مبكرا جدا .
هامش
( 1 ) نقلا عن مقدمة رسالة المسترشدين ص 27 .