ووصف اللّه مؤمني الجنّ فقال :
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا
« 1 » .
فمدحهم بذلك إذ تناهوا عما يشغلهم عن فهم كتابه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
وقال عزّ وجلّ :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
« 2 » .
فأمر تبارك وتعالى بترك الكلام لينال به فهم كتابه .
وروى عن حمزة بن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : طوبى لمن لم يشغل قلبه بما ترى عيناه ، ولم ينس ذكر ربّه بما تسمع أذناه . فإذا قطع العبد شغل جوارحه بألا يشغلها بغير ما يتفكر فيه ، حضر عقله فلم يشغله بشئ مما ظهر .
الثانية : أن يمنع قلبه أن ينظر ويتفكر في شئ من أمور الدنيا سوى ما يريد أن يتفكر فيه ، وكذا روى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من كل قلب ابن آدم في كل واد شعبة ، فمن أتبع قلبه تلك الشّعب لم يبال اللّه في أيّ أوديته هلك ووقع » « 3 » وقوله عزّ وجلّ :
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
« 4 » .
فهو : ألا يتفكر في غير ما يستمع ، وروى ذلك عن مجاهد وغيره .
فإذا قطع العبد شغل جوارحه من الظاهر ، وقطع فضول الفكر من الباطن ، ومنع قلبه من الفكر إلا فيما يريد أن يتفكر فيه ، اجتمع همّه وحضر عقله ،
هامش
( 1 ) الأحقاف : 29 .
( 2 ) الأعراف : 204 .
( 3 ) روى نحوه ابن عمر . أخرجه البيهقي في الزهد ص 91 ( 16 ) ، وأحمد في الزهد ص 20 .
كما روى نحوه ابن مسعود ، أخرجه ابن ماجة في المقدمة 1 / 95 ( 257 ) وفي الزهد 2 / 1375 ( 4106 ) وقال البوصيري في الزوائد : إسناده ضعيف فيه نهشل بن سعيد ، قيل : إنه يروى المناكير ، وقيل : بل الموضوعات فأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص 265 من نفس الطريق ، وصححه الحاكم 4 / 328 ، 329 وتعقبه الذهبي بأن فيه يحيى بن المتوكل ضعفوه .
( 4 ) ق : 37 .