باب ما ينال به اجتماع الهم
قلت : فاجتماع الهمّ بم ينال ؟
قال : بخلتين :
إحداهما : قطع شغل الجوارح عن كل شئ سوى ما يريد أن يتفكر فيه ؛ لأن النظر بالعين يلهى القلب ويشغله ، واستماع الأذن كذلك ، ومسّ اليد كذلك ، إلا نظرا أو استماعا يستعين به على ما يريد أن يتفكر فيه ، كالرجل يعظك فتستمع له لتفهم ما يقول أو تنظر إليه ، أو القراءة في المصحف ، أو الصحف فيها العلم .
وقد وصف اللّه عزّ وجلّ بذلك من فهم عنه فقال :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
« 1 » .
قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : حدّث القوم ما حدقوك بأبصارهم .
وكذلك أن تنظر إلى الأشياء لتعتبر بها ، فأما ما سوى ذلك فلا تشغل جوارحك بشئ من أمر الدنيا ، فإذا أردت أن تفكّر ، خاليا كنت أو مستمعا أو معتبرا ، فاقطع شغل جوارحك بالدنيا ، فإن ذلك يغلق عنك الفكر .
ومن ذلك قوله عزّ وجلّ :
إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى
« 2 » .
هامش
( 1 ) الزمر : 18 .
( 2 ) الإسراء : 47 .