ومنها : بكاؤه على أخيه زيد بن الخطّاب ، وكان صحبه رجل من بين عدي ابن كعب فرجع إلى المدينة فلمّا رآه عمر دمعت عيناه وقال : وخلّفت زيداً قاضياً وأتيتني . « 1 »
فالبكاء المتكرّر من الخليفة يهدينا إلى أنّ المراد من الحديث - لو صحّ سنده - معنى آخر ، كيف وأنّ ظاهر الحديث لو قلنا به فإنّه يخالف الذكر الحكيم ، أعني قوله سبحانه :
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى »
« 2 » . فأيّ معنى لتعذيب الميّت ببكاء غيره عليه ! !
قال الشافعي : « وما روت عائشة عن رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - أشبه أن يكون محفوظاً عنه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بدلالة الكتاب والسنّة ، فإن قيل : فأين دلالة الكتاب ؟ قيل : في قوله عزّ وجلّ :
« وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . . . »
و
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » .
« 3 »
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
*
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »
« 4 » وقوله :
« . . . لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى »
« 5 » . فإن قيل : أين دلالة السنّة ؟ قيل : قال رسول اللَّه لرجل : ابنك هذا ؟ قال : نعم ، قال : أما أنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه .
فأعلم رسول اللَّه مثلما أعلم اللَّه من أنّ جناية كلّ امرئ عليه ، كما أنّ عمله لا لغيره ولا عليه » . « 6 »
فقه الحديث
كلّ هذه النقول توقفنا على أنّ المراد من الحديث « إنّ الميّت يعذَّب . . . » - إن
هامش
( 1 ) العقد الفريد : 3 / 235 .
( 2 ) فاطر : 18 .
( 3 ) النجم : 39 .
( 4 ) الزلزلة : 7 - 8 .
( 5 ) طه : 15 .
( 6 ) اختلاف الحديث بهامش كتاب الأُمّ للشافعي : 7 / 267 .