تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
إنّ عبادة اللّه معلولة ووليدة شعورين في داخل الإنسان ، هما : الشعور بكونه تعالى خالقاً ، والآخر الشعور بكونه تعالى ربّاً مدبّراً للعالم قال تعالى : (
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
) . ( « 1 » ) وقد أشارت الآية إلى أربعة أُمور وبصورة متسلسلة هي : ألف : (
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
) . ب : (
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
) . ج : (
ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
) . وبعد أن أشارت الآية إلى أنّ اللّه هو الخالق وهو المدبّر وأنّ تأثير جميع الموجودات تابع لإذنه سبحانه وإرادته ، عطفت الكلام على العبادة وحصرها به فقالت : (
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
) باعتباره سبحانه هو الغني المطلق ، وهو الجدير بأن يعبد دون سواه ، لأنّ غيره موجودات فقيرة ومحتاجة فلا تستحق العبادة أبداً . ( « 2 » )
هامش
( 1 ) . يونس : 3 . ( 2 ) . قد يقال : لما ذا جاء التعبير في الآية المباركة عن المؤثرات الأُخرى بلفظ « الشفيع » ؟ والجواب واضح : وذلك لأنّ « شفيع » مأخوذ من « الشفع » بمعنى الزوج ، وهو يقابل الفرد ، وبما أنّ العلل الطبيعية أو أيّ مؤثر آخر في عالم الوجود لا يمكن أن يؤثر ما لم يضم إليه الإذن الإلهي . من هنا أطلق لفظ « الشفيع » على تلك العلل والمؤثرات ، وكأنّ تأثير المؤثرات وفاعلية العلل الأُخرى اقترنت بالمشيئة الإلهية ، وضمّت إليها . فعلى سبيل المثال إذا كان لضياء الشمس ونور القمر والماء دورٌ في نمو النباتات والحيوانات الأُخرى ، فما هي - في الحقيقة - إلّا مظهراً من مظاهر المشيئة والإرادة الإلهية .
الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية — صفحة 88 | الشيخ جعفر السبحاني