تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
لأنهم قليلون جدا ، وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد والجواب من وجوه : ( أحدها ) إنا قد بينا أن جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به وصدقه وقد كانوا ملء الأرض ، وهذه الشام ومصر وما جاورهما واتصل بهما من أعمالهما ، والجزيرة والموصل وأعمالهما ، وأكثر بلال المغرب وكثير من بلاد المشرق ، كانوا كلهم نصارى فأصبحت هذه البلاد كلها مسلمين ، فالمختلف من هاتين الأمتين عن الإيمان به أقل القليل بالإضافة إلى من آمن به وصدقه ، وهؤلاء عباد الأوثان كلهم أطبقوا على الإسلام إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة ، وهذه أمة المجوس توازي هاتين الأمتين كثرة وشوكة وعددا دخلوا في دينه وبقي من بقي منهم كما بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية ( الثاني ) إنا قد بينا أن الغرض الحامل لهم على الكفر ليس هو مجرد المأكلة والرئاسة فقط وإن كان من جملة الأغراض ، بل منهم من حملة ذلك ، ومنهم من حمله الحسد ، ومنهم من حمله الكبر ، ومنهم من حمله الهوى ، ومنهم من حمله محبة الآباء والأسلاف وحسن الظن بهم ومنهم من حمله الفه للدين الذي نشأ عليه ، وجبل بطبعه فصار انتقاله عنه كمفارقة الإنسان ما طبع عليه ، وأنت ترى هذا السبب كيف هو الغالب المستولى على أكثر بني آدم في إيثارهم ، ما اعتادوه من المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والديانات على ما هو خير منه وأوفق بكثير ، ومنهم من حمله التقليد والجهل وهم الأتباع الذين ليس لهم علم ، ومنهم من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب ، فلم تنسب هاتين الأمتين إلى الغرض المذكور وحده ( الثالث ) إنا قد بينا أن الأمم الذين كانوا قبلهم كانوا أكثر عددا وأغزر عقولا منهم وكلهم اختاروا العمى على الهدى والكفر على الإيمان بعد البصيرة ، فلهاتين الأمتين سلف كثير وهم أكثر الخلق . ( الرابع ) إن عبد اللّه بن سلام وذويه إنما أسلموه في وقت شدة من الأمر وقلة من المسلمين وضعف وحاجة وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم ، واليهود والمشركون هم أهل الشوكة والعدة والحلقة والسلاح ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه إذ ذاك قد أووا إلى المدينة ، وأعداؤهم يتطلبونهم في كل وجه ، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم بهم ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبه وخادمهما فاستخفوا
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 140 | ابن قيم الجوزية