تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
فإنه لا يمكن أحدا أن يعلم أن كل نسخة في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة ، ومن الذي أحاط بذلك علما وعقلا ؟ ! أهل الكتاب يعلمون أن أحدا لا يمكنه ذلك . وأما من قال من المسلمين . « أن التغيير وقع في أول الأمر فإنهم قالوا أنه وقع أولا من عازر الوراق ، في « التوراة » في بعض الأمور إما عمدا وإما خطأ ، فإنه لم يقم دليل على عصمته ولا أن تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين التوراة التي أنزلت على موسى ، وقد ذكرنا أن فيها ما لا يجوز نسبته إلى اللّه وأنه أنزله على رسوله وكليمه ، وتركنا كثيرا لم نذكره » .

[ المناقضات في الإنجيل ]

وأما « الإنجيل » فهي أربعة أناجيل اخذت عن أربعة نفر ، اثنان منهم لم يريا المسيح أصلا ، واثنان رأياه واجتمعا به وهما متى ويوحنا ، وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيله إنجيل أصحابه في أشياء ، وفيها ذكر القول ونقيضه كما فيه أنه قال : « ان كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة ، ولكن غيري يشهد لي » وقال في موضع آخر « ان كنت اشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين أذهب » وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال : « قد جزعت نفسي الآن فما ذا أقول ؟ يا أبتاه سلمني من هذا الوقت ، وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما وقال : يا إلهي ! لم أسلمتني ؟ ! فكيف يجتمع هذا مع قولكم : إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه ويقتلوه رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا ، وأخرج بذلك آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس ؟ وكيف يجزع إله العالم من ذلك وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه ؟ ! وكيف يشتد صياحه ويقول : « يا إلهي لم أسلمتني » وهو الذي أسلم نفسه ؟ ! وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه وإنزال صاعقة على الصليب وأهله أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود ، وفيه أيضا : « أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح ، فقال : تهدمون هذا البيت - يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام ، فقالوا له بيت مبني في خمس وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام » ثم ذكرتم في الإنجيل أيضا : « أنه لما ظفرت به اليهود وحمل إلى بلاط عامل قيصر
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 133 | ابن قيم الجوزية