له ، ويكون لهم في زمانه شوكة ودولة إلى أن ينزل مسيح الهدى ابن مريم فيقتل منتظرهم ، ويضع هو وأصحابه فيهم السيوف حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقولان يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله ، فإذا نظف الأرض منهم ومن عباد الصليب فحينئذ يرعى الذئب والكبش معا ، ويربضان معا ، وترعى البقرة والذئب معا ، ويأكل الأسد التبن ، ويلقى الأمن في الأرض ، هكذا أخبر به شعيا في نبوته وطابق خبره ما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح في خروج الدجال وقتل المسيح ابن مريم له ، وخروج يأجوج ومأجوج في أثره ومحقهم من الأرض ، وإرسال البركة والأمن في الأرض حتى ترعى الشاة والذئب ، وحتى أن الحيات والسباع لا تضر الناس فصلوات اللّه وسلامه على من جاء بالهدى والنور وتفصيل كل شيء وبيانه ، فأهل الكتاب عندهم عن أنبيائهم حق كثير لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه ، ولقد أكمل اللّه سبحانه بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليه ما أنزله على الأنبياء عليهم السلام من الحق وبينه وأظهره لأمته ، وفصل على لسانه ما أجمله لهم وشرح ما رمزوا إليه ، فجاء بالحق وصدق المرسلين ، وتمت به نعمة اللّه على عباده المؤمنين ، فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحا يجيء في آخر الزمان ، فمسيح اليهود هو الدجال ، ومسيح النصارى لا حقيقة له ، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحيي ، فمسيحهم الذي ينتظرونه هو المصلوب المسمر المكلل بالشوك بين اللصوص ، المصفوع الذي هو مصفعة اليهود ، وهو عندهم رب العالمين وخالق السماوات والأرضين ، ومسيح المسلمين الذي ينتظرونه هو عبد اللّه ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول عيسى ابن مريم ، أخو عبد اللّه ورسوله محمد بن عبد اللّه ، فيظهر دين اللّه وتوحيده ، ويقتل أعداءه عباد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون اللّه ، وأعداءه اليهود الذين رموه وأمه بالعظائم فهذا هو الذي ينتظره المسلمون ، وهو نازل على المنارة الشرقية بدمشق ، واضعا يديه على منكبي ملكين ، يراه الناس عيانا بأبصارهم نازلا من السماء ، فيحكم بكتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وينفذ ما أضاعه الظلمة والفجرة والخونة من دين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويحيي ما أماتوه ، وتعود الملل كلها في زمانه ملة واحدة وهي ملته وملة أخيه محمد وملة أبيهما إبراهيم وملة
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى — صفحة 131
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٣١