ولو تعمّ كلّ منكر له * كان السّؤال هكذا استدلاله
و « آية الفطرة » لم يرد بها * إذعان كلّ نسمة بربّها
بل هي كالقيّم والحنيف * وصف لكلّ دينه الشّريف
لذاك فسّرت به تماما * نبوّة ، ولاية ، إسلاما
تعبدون غيره ؟ هذا مضمون الآيات الّتي استدلّ بها ، مثل قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
« 1 » ، وقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
« 2 » ، ونظائره كثيرة . وهذه الآيات أيضا لا صراحة فيها على الفطرة ولا ايهام ؛ والاستدلال بها أيضا ، مبنيّ على دعوى اختصاص الخطاب فيها بالمنكرين ، وهي كما ترى ؛ بل ظهورها وظهور سياقها قبلا وبعدا ينادي بالمخاطبة مع المشركين .
[ تعميم المخاطبة لكلّ منكر لا يدلّ على الفطرة ]
ولو فرضنا أنّ المخاطبة في هذه الآيات ، تعمّ كلّ منكر له تعالى ( سواء كان الإنكار ، إنكارا للربوبيّة أو الألوهيّة ) فتكون الآية من حيث شمولها للمنكر الغافل ، دالّة على الفطرة بالتّقريب المذكور كان السّؤال هكذا ؛ يعني ، على هذا النّحو : من خلق السّماوات والأرض ؟ من يرزقكم . . . ؟ استدلاله للصّانع بعينه ؛ غاية الأمر ، أنّه استدلال وبرهان على طريق السّؤال . وحينئذ فالإقرار بعد ذلك والاعتراف لا يكون إقرارا عن الفطرة ، بل هو إقرار عن الحجّة والبرهان ، وظهور الحقّ على قلبه ، ظهور بعد البيان . فلو كان مثل ذلك فطرة ، لما كان لاختصاصها بالتّوحيد وجه ، بل الانسان على هذا مفطور على كلّ شيء حقيقة ، وكان منكرا له لشوب ذهنه ، لأنه يقبله ويقرّبه مع البيّنة والبرهان .
[ استدلالهم بآية الفطرة ]
و « آية الفطرة » الّتي استدل بها أيضا ، وهي قوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 3 » . وهي وإن كانت صريحة في لفظ « الفطرة » ، إلّا أنّ الكلام ،
هامش
( 1 ) . العنكبوت 29 : 61 .
( 2 ) . الزخرف 43 : 87 .
( 3 ) . الروم 30 : 30 .