تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وبعضها توبيخ من أشرك به * معترفا بربّه وصاحبه
بحيث لو سألته : من خالقك * وخالق السّماء ؟ أو من رازقك ؟
قال : هو اللّه المفيض خيره * فقل : لما ذا تعبدون غيره ؟
في الآيات من دلالة ، إذ بعضها ذمّ المقرّين لا المنكرين على الرذالة والدناءة بالعتو والطغيان والتضرع والالتجاء في حالتي الأمن والبلاء والفاقة والرخاء ؛ مثل قوله تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
« 1 » . ونظائره كثيرة ؛ كقوله :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
« 2 » وقوله :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » . ولا صراحة في أمثال هذه الآيات على فطرة ولا إيهام ، والاستدلال بها كأصل الدعوى ، مبنيّ على الدعوى أيضا ؛ وهي دعوى أنّ المخاطب بها ، المنكرون ، فيختصّ بهم ؛ والمنكر الغافل المصرّ على الانكار ، كيف ينقلب إلى الالتجاء لولا ظهور الفطرة في حال الاضطرار ؟ ولعمري ! إنّ هذه الدعوى على مورد هذه الآيات ، وحملها على مورد الإنكار من أظهر مصاديق « التفسير بما لا يرضي صاحبه » . وبعضها توبيخ من أشرك به ، بعبادة الأصنام وغيرها ، مع أنّه يكون معترفا بربّه وصاحبه ؛ كمشركي قريش ، فإنّهم كانوا معترفين بأنّ ربّهم وخالقهم ، اللّه ، وكانوا يقولون : أنشدك باللّه والرحم ؛ وكانوا يقولون : لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وكانوا يعتذرون في عبادتهم الأصنام ، بقولهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . .
« 4 » ، وقولهم :
هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ
« 5 » . فمثل هذا المشرك ، ليس منكرا للّه ولا غافلا عنه ، بل هو بحيث لو سألته من خالقك وخالق السّماء ؟ أو من رازقك ؟ قال : هو اللّه المفيض خيره على الكائنات . فعند ذلك ، فقل : لأمثال هؤلاء توبيخا لهم على الشّرك ؛ كمّا علّم اللّه نبيّه ( ص ) : لما ذا
هامش
( 1 ) . العنكبوت 29 : 65 . ( 2 ) . النحل 16 : 53 و 54 . ( 3 ) . يونس 10 : 12 . ( 4 ) . الزمر 39 : 3 . ( 5 ) . يونس 10 : 18 .
هداية الأمة إلى معارف الأئمة — صفحة 34 | ابو جعفر محمد جواد الخراساني