والعقل محدود عن التحقيق * ومطلق في الحكم والتصديق
إذ ليس مدركا بالاستقلال * كلّا ولا بعون الاستدلال
تقرير محدوديّة « العقل » في المعارف وغيرها ، وبيان حدّه
والعقل محدود عن التحقيق للأشياء بنفسه ؛ أي عن تثبيتها وادراكها ، وأمّا تحقيقها بمعنى الوصول إلى حقيقتها والكشف عنها ، فإنّه أمر خارج عن طوره ، وغير مراد هنا . والمراد بالمحدوديّة ، تحديد دائرة اطلاقه ، وتضييق سعة استقلاله في الادراك ، وقصره على حدّ محدود ؛ فلا استقلال له في ادراك جميع الأشياء على الاطلاق . ولكنّه مطلق في الحكم والتّصديق من دون تقييد ولا تحديد ؛ فإنّ له الحكم في كلّ قضيّة والتّصديق في كلّ واقعة ؛ كما عن ابن السّكيت عن الرضا ( ع ) قال :
فما الحجّة على الخلق اليوم ؟ فقال ( ع ) : « العقل ، تعرف به الصّادق على اللّه فتصدقه ، والكاذب على اللّه فتكذبه » . فقال ابن السّكيت : « هذا واللّه هو الجواب . » « 1 »
وقال موسى بن جعفر ( ع ) :
« يا هشام ! إنّ للّه حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ؛ فأمّا الظاهرة فالرّسل والأنبياء ، وأمّا الباطنة فالعقول . » « 2 »
هذا في حكمه على الاطلاق ، وأمّا في خصوص المعرفة ، فقد قال أمير المؤمنين ( ع ) :
بصنع اللّه يستدلّ عليه ، وبالعقول تعتقد معرفته ، وبالفكر تثبت حجّته . » « 3 »
وقال الرضا ( ع ) أيضا مثله ، الّا أنّ في روايته ، « وبالفطرة تثبت حجّته » « 4 » ، وسيأتي النّظر فيه . وقال ( ع ) أيضا : « بالعقول يعتقد التّصديق باللّه وبالاقرار يكمل الإيمان به . » « 5 »
[ ما هو مقام محدودية العقل ؟ ]
فليس له محدوديّة في هذا المقام ، وإنّما محدوديّته في مقام الادراك . إذ ليس مدركا بالاستقلال بنفسه كلّا ؛ أي كلّ الأشياء بنحو الضرورة والبداهة ، ولا بالاكتساب
هامش
( 1 ) . الكافي 1 : 25 / 2 .
( 2 ) . الكافي 1 : 16 / 12 .
( 3 ) . التوحيد : 35 / 2 .
( 4 ) . البحار 4 : 228 / 3 .
( 5 ) . المصدر 4 : 230 / 2 .