وقيل : بل يدرك بالعقل القويّ * وقيل : بل ذاك بقلب ولويّ
ما قدروا الإله حقّ قدره * كلّ تعدّى عن حدود طوره
ولو حصرنا الوجه في قصورها * ليس لهم دعوى كمال نورها
فالمدركات قاصرات الذّات * لا تنجلي عنها القصور الذّاتي
* * * تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . . .
« 1 » . قالوا : والنّبيّ ( ص ) أيضا رآه بالنّظر ليلة المعراج ، لأنّه كشف عنه ، فصار بصره حديدا .
وقيل : بل يدرك بالعقل القويّ الفلسفي المتألّه .
وقيل : بل ذاك ؛ اي الادراك بقلب ولويّ ؛ اي قلب صاحب الولاية ، والمراد به عند أهل الكشف ، العارف الشامخ الواصل ؛ فإنّهم يدّعون للواصلين بزعمهم مقام الولاية .
ولكن كلّهم تكلّموا على حسبانهم ،
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
« 2 » و
إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
« 3 » ؛ ما قدروا الإله حقّ قدره . كلّ تعدّى عن حدود طوره ، حيث أرادوا الشموخ بأنفسهم في ادّعاء العلم والمعرفة أو الوصول إلى ما ليس من طورهم وحدّهم ، - أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا .
ثمّ إنّ هؤلاء ، قد أخطئوا من وجهين ( كما تقدّمت الإشارة إليه في صدر المبحث ) :
أحدهما : قصر المانع في قصور المدركات .
وثانيهما : تخصيص القصور بالعوارض لا بالذّات . ولذلك ، قالوا بإمكان زوالها .
وقد أشرت إلى منع الثاني وبطلانه بقولي :
ولو حصرنا الوجه ؛ اي وجه الامتناع في قصورها فقط ولم نقل بامتناع الذّات عن الإدراك أصلا ، ليس لهم أيضا دعوى كمال نورها ؛ اي المدركات بسبب من الأسباب ، فالمدركات قاصرات الذّات لما تقدّم أنّها مخلوقة ، ومحدودة ، ومتناهية ، لا تنجلي عنها ، هذا القصور الذّاتي ابدا ؛ إذ لا تخرج عن المخلوقيّة والمحدوديّة والتّناهي ابدا . فافهم !
هامش
( 1 ) . ق 50 : 22 .
( 2 ) . البقرة 2 : 78 والجاثية 45 : 24 .
( 3 ) . الانعام 6 : 116 و . . .