المقام الثالث : في الحركة في الأين والوضع « 1 »
أمّا مقولة الأين فانّ وقوع الحركة فيها ضروري . « 2 »
وأمّا الوضع فقد ذكر الشيخ ما يوهم أنّه هو الذي وقف عليها دون من قبله . « 3 » وليس كذلك ، فانّ أبا نصر الفارابي ذكره في مختصر له يعرف ب « عيون المسائل » في موضعين ، فقال : « وحركات الأفلاك وضعية دورية ، وعند المتكلمين انّ الجوهر الفرد جزء الجسم حاصل بالفعل ، وكلّ جسم إنّما يتحرك بالوضع بحركة أجزائه في المكان » . « 4 »
ويدلّ على هذه الحركة أنّ الجسم الذي لامكان له ، كالفلك الأعظم أو له مكان لكن لا يفارقه كغيره من الأفلاك إذا تحرك على مركزه لا عن مكانه بل فيه وكالكرة وغيرها إذا حركناها على نفسها في مكانها حركة دورية لم تكن تلك الحركة مكانية ، لأنّ ذلك الجسم لم يفارق مكانه ولا شكّ في تغيره على التدريج وليس في كمه ولا كيفه ولا غيرهما من الأعراض ، بل إنّما تتغير نسبة أجزائه إلى أمور خارجة
هامش
( 1 ) . راجع نفس المصادر ؛ التحصيل : 428 ؛ شرح حكمة العين : 435 ؛ المعتبر في الحكمة 2 : 30 ؛ شرح المواقف 6 : 211 و 212 ؛ شرح المقاصد 2 : 416 .
( 2 ) . كما في انتقالات الأجسام من مكان إلى مكان ، لكن كون الأين مقولة مستقلّة في نفسها لا يخلو من شكّ . وقيل بدخوله في الوضع . راجع الطباطبائي ، نهاية الحكمة : 206 .
( 3 ) . وذلك لأنّه قال : « وأمّا الوضع فإنّ فيه حركة على رأينا خاصة . » طبيعيات النجاة ، فصل في الحركة : 132 . وقال أيضا : « وعندي أنّ كلّ من يتأمّل ما قلناه ثمّ ينصف سيعتقد يقينا أنّ الوضع فيه حركة . » وقال أيضا : « فقد ظهر لك من هذه الجملة أن الحركة إنّما تقع في المقولات الأربع التي هي الكيف والكم والأين والوضع . فقد وقفت على نسبة الحركة إلى المقولات . » الثالث من ثانية الأول من طبيعيات الشفاء .
( 4 ) . وقد أشار الكندي أيضا إلى الحركة في الوضع ومثّل لها بحركة الفلك ، وحركة الطاحون ، وحركة الرماة والمهرة في الصنائع . راجع الآلوسي ، فلسفة الكندي : 202 .
وانظر اعتراضات وأقول أخرى على ما قاله ابن سينا من أنّه أوّل من ذكر هذه الحركة - في كتاب : العراقي ، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا : 209 وحواشيها .