تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية المرام في علم الكلام — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
وهو يختلف كثرة وقلة باختلاف الأذهان ذكاء وبلادة ، ويتفاوت بحسب تفاوتهم ، حتى أنّ الإنسان ربّما أكبّ طول عمره على تعلم مسألة ويمنع منها ، وبعضهم ربّما التفت بذهنه الصائب أدنى التفات فأصاب مطلوبه . ولما تفاوتت الدرجات لم يبعد وجود نفس بالغة أقصى مراتب الكمال في القوّة وسرعة الاستعداد لإدراك الحقائق حتى كأنّه يحيط علما بحقائق الأشياء من غير طلب وشوق ، بل ينساق ذهنه إلى النتائج حتى يحيط بغايات الكمالات الإنسية « 1 » . وتخالف هذه النفس باقي النفوس كمّا وكيفا . أمّا الكم فلكثرة استحضارها للحدود الوسطى . وأمّا الكيف فلسرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب . وتخالف باقي النفوس بوجه آخر ، وهو تقع على الحدّ الأوسط من غير تقدّم تعيين المطلوب ، بخلاف باقي النفوس فإنّها تعين المطلوب أوّلا ثمّ تطلب المبادئ الملائمة له ، ثمّ ترتّب هذه المبادئ ترتّبا صحيحا ملائما ، ولا يعرض الغلط في الأوّل ؛ لأنّ الانسباق إلى النتيجة طبيعي . أمّا في الثاني فلما كان فكريا أمكن أن يعرض فيه الغلط لأنّه كالتكلّفي . واعلم « 2 » أنّه لا يشترط في العلم بالشيء وجود الفكر ، خلافا لمن توهم حاجة النفس في علومها إلى الفكر ، ومنع من علمها بعد مفارقة البدن لفساد آلة الفكر الذي هو شرط . وهو غلط لأنّ المعارف العقلية لو توقفت على الفكر - إمّا توقّف المسبب على السبب ، أو المشروط على الشرط - لكانت المعارف مقارنة للأفكار ، لكن التالي باطل ، فإنّ الإنسان حالة فكره يكون طالبا للنتيجة ، فلا بدّ وأن يكون
هامش
( 1 ) - وتسمّى هذه القوة ب « القوة القدسية » وقال ابن سينا : « وهذا ضرب من النبوة ، بل أعلى قوى النبوة والأولى أن تسمّى هذه القوّة قوّة قدسية وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية » راجع نفس المصادر . ( 2 ) - راجع المباحث المشرقية 1 : 475 - 476 .