ولأن
« قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ »
أي خائفة من ظن التقصير في عمل الخير ، نجد النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول عن نفسه : « ما أدرى وأنا رسول اللّه ما يفعل بي » وذلك في الحديث الّذي رواه البخاري عن خارجة بن زيد بن ثابت ان أم العلاء - وهي امرأة من الأنصار ممن بايعوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم - أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين أول ما قدموا عليهم بالقرعة . قالت : فطار لنا - أي كان من نصيبنا - عثمان بن مظعون ، من أفضل المهاجرين وأكابرهم ، وممن شهد بدرا فاشتكى ، فمرضناه ، حتى إذا توفى وجعلناه في ثيابه ، دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : رحمة اللّه عليك يا أبا السائب . فشهادتى عليك : لقد أكرمك اللّه تعالى . فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وما يدريك أن اللّه أكرمه ؟ » فقالت : لا أدرى بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما عثمان فقد جاءه اليقين ، واللّه انى أرجو له الخير . ما أدرى وأنا رسول اللّه ما يفعل بي » قالت : فو اللّه لا أزكى أحدا بعده أبدا .
كرامات الأولياء في نظر المعتزلة :
ولقد وجهت المدرسة الأشعرية نقدا عنيفا للمعتزلة لقولهم بانكار الكرامات . ولم يوضحوا حقيقة الكرامات التي أنكرها المعتزلة .
والحق : أن المعتزلة لم ينكروا الا خرافات المتصوفة عن الأنبياء وعن كراماتهم . أما الكرامات الصحيحة وهي البشرى واطمئنان القلب والهداية إلى العمل المفيد الّذي يريده المؤمن فان المعتزلة لا ينكرونها .
وكيف ينكرونها ؟ واللّه اخبر عن كرامات للاحياء ، ولم يخبر عن كرامات تظهر على الأموات . أي الكرامات للاحياء وليست للأموات . فان الميت لا يظهر منه شيء بعد موته ، لا لنفسه ولا لغيره . لا للنفع ولا للضرر .
يقول الامام الجليل محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538 ه في تفسير قوله تعالى :
« أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. . .
الخ :
« أَوْلِياءَ اللَّهِ »
: الذين يتولونه بالطاعة ، ويتولاهم بالكرامة . وقد فسر ذلك في قوله :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ »
فهو توليهم إياه
« لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ »
فهو توليه إياهم . وعن سعيد بن جبير أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل : من أولياء اللّه ؟ فقال :