رأى العرب والجن في الإنجيل :
والعرب كانوا يدركون هذا المعنى ، يدركون أن عيسى ليس مشرعا .
ولذلك لما علموا بخبر نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم قالوا :
« لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى »
فقد حكى اللّه عنهم ما نصه :
« فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا . قالُوا : لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى . أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ؟ قالُوا : سِحْرانِ تَظاهَرا . وَقالُوا : إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ »
. [ القصص 47 ] والجن أيضا قابلوا بين شريعة موسى وشريعة محمد - عليهما السلام - فقد حكى اللّه عنهم :
« وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا : أَنْصِتُوا ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قالُوا : يا قَوْمَنا . إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً ، أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى »
[ الأحقاف 29 - 30 ] انهم لما استمعوا القرآن علموا أنهم مكلفون بأحكامه ، وهم كانوا من قبل مكلفين بأحكام التوراة ، فلو كان لعيسى شريعة ، مستقلة عن شريعة موسى ، لقال الجن :
« إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ »
عيسى لأن عيسى في الزمان قريب من زمان محمد ، وقبله بيسير .
معنى « وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ »
:
وأما ما جاء في القرآن الكريم عن عيسى - عليه السلام - أنه كان يحل لبنى إسرائيل بعض ما حرم عليهم ، وذلك قوله تعالى :
« وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ، وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ »
[ آل عمران 50 ] الّذي يفهم منه العوام : أن له شريعة منفصلة عن شريعة موسى ، أحل فيها لأتباعه ما كان محرما عليهم في التوراة : فان هذا القول لا يثبت أن اللّه تعالى حرم عليهم ما كان حلالا . فمن هو هذا الآخر ؟ لأن « حرم » بضم الحاء وتشديد الراء مكسورة - قد تشير إلى آخر غير اللّه قد حرم عليهم ما كان حلالا .
ان الربانيين والأخبار قد شددوا على الناس من تلقاء أنفسهم في الأحكام - والتشديد تحريم - والمسيح قد صرح بنبذ التشديدات التي ابتدعها الربانيون والأحبار ، وهذا معنى أنه أحل ما كان محرما عليهم . ففي تفسير القرطبي عند هذه الآية : « قيل : انما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ، ولم تكن في التوراة محرمة عليهم » أي أن المسيح لم يغير نصوص التوراة المحرمة ، وانما