قال اللّه تعالى :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
« 1 » .
فتبيّن أنّ الآجال على ضربين : ضرب منها مشترط يصحّ فيه الزّيادة والنّقصان ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ
« 2 » . وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
« 3 » فبيّن أنّ آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبرّ والانقطاع بالفسوق .
وقال تعالى فيما خبر به عن نوح في خطابه لقومه :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
« 4 » إلى آخر الآيات .
فاشترط لهم في مدّ الأجل وسبوغ النّعم الاستغفار ، فلمّا لم يفعلوه قطع آجالهم وبتر أعمارهم واستأصلهم بالعذاب ، فالبداء من اللّه تعالى يختصّ ما كان مشترطا في التّقدير ، وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة ولا من تعقّب الرأي ، تعالى اللّه عمّا يقول المبطلون علوّا كبيرا .
وقد قال بعض أصحابنا : أنّ لفظ البداء أطلق في أصل اللّغة على تعقّب الرأي [ والانتقال من عزيمة إلى عزيمة ] وانّما اطلق على اللّه تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازا غير حقيقة ، وأنّ هذا القول لم يضرّ بالمذهب ، إذ المجاز من القول يطلق على اللّه تعالى فيما ورد به السّمع ، وقد ورد به السّمع بالبداء على ما بيّنّا ، والّذي اعتمدناه في معنى البداء أنّه الظهور على
هامش
( 1 ) - انعام ، 2
( 2 ) - ملائكة ، 11
( 3 ) - أعراف ، 96
( 4 ) - نوح ، 10 - 11