نظر في باب الدين
- إنّ النظر في باب الدين لسنا نقيسه على النظر في باب الدنيا ، حتى يصحّ الطعن فيه بذكر الفصول بينهما والفروق ، وإنّما يجمع بينهما في أنّهما قد دخلا تحت الجملة المعلومة باضطرار ؛ كما أنّ الضرر في باب الدين إذا كان بصفة الظلم لا نقيسه في القبح على الضرر في باب الدنيا ، بل نحكم بقبحهما لدخولهما تحت العلم بأنّ الظلم قبيح . فإذا صحّ ذلك ، وثبت أنّ الطريق في باب الدين يحصل فيه التحرّز من الخوف الشديد الذي نخشاه في تركه ونؤمل زوال ذلك بفعله ، فيجب أن تكون حاله في الوجوب كحال النظر في باب الدنيا إذا اختصّ بهذه الصفة لا على طريقة القياس لما ذكرناه . وإنّما يذكر النظر في باب الدنيا في كلامه ، لأنّ وجوبه وثبوت وجه الوجوب فيه أظهر ، فتسقط به الشبه والمطاعن ، لا أنّا نجعله أصلا نقيس عليه النظر في باب الدين ( ق ، غ 12 ، 364 ، 4 )
- إنّ النظر في باب الدين أدخل في الوجوب من حيث يؤدّي إلى غالب الظنّ ، فبأن يؤدّي إلى العلم أولى . وإذا لزم النظر ، وإن لم يكن في دلالة ، بل كان نظرا في أمارة ، فبأن يجب النظر إذا كان في دلالة أولى ( ق ، غ 12 ، 365 ، 4 )
- أمّا أنّ النظر في باب الدين لا يأمن فاعله الهلاك ، كما لا يأمن تاركه ، فليس الأمر كذلك . لأنّه يعلم أنّه أقرب إلى أن يعرف منافعه ومضارّه ، ويعلم أنّ خالقه إن كان حكيما فهذا طريق نجاته ، وإن كان سفيها كان وجوده كعدمه . فيعلم أنّ لفعله من الحكم ما ليس لتركه ( ق ، غ 12 ، 365 ، 20 )
- أمّا قولك : إنّ النظر في باب الدين إذا وجب في طريقه أن يكون دليلا ، فكذلك المنبّه عليه يجب أن يكون حجّة ، وأن لا يعتبر بقول الدعاة في ذلك ، ويخالف النظر في باب الدنيا ، فبعيد . وذلك أنّ الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، متى خوّفوا من ترك النظر لم يعلم من حالهم إلّا مثل ما يعلم من حال الداعي ، لأنّه لا سبيل لمن ينظر في معرفة اللّه فيعلمه بعدله وتوحيده وأنّه حكيم ، أن يعلم أنّ الرسول صادق وأنّ المعجز يدلّ على صدقه في النبوّة . وإذا لم يكن له إلى ذلك سبيل ، حلّ قوله عنده محل قول الداعي في أنّه يعمل به لما يقارنه من الأمارات ، فلا تكون له مزية . فإن صحّ وجوب النظر إذا كان المخوّف نبيّا ، فيجب أن يكون واجبا وإن لم يكن نبيّا ، لما بيّناه . إلّا أن يقول قائل : إنّ عند قول النبيّ يقع العلم بالطبع اضطرارا ، كما قاله الجاحظ ، وعند قول غيره لا يكون هذا حاله ، فيكون لهذا الفرق إذن تأثير . وقد بيّنا فساد ذلك ، وبيّنا على قوله لا تصحّ التفرقة بينهما . لأنّ الضرورة لا تفتقر إلى قول لرسول متقدّم ، لأنّه تعالى قادر على أن يهيّئ المحلّ لذلك الطبع . فيضطرّه ، وإن لم يكن هناك رسول فلا تصحّ هذه التفرقة أيضا .
وإذا لم تصحّ له ، لم تكن لأحد أن يتعلّق بها .
لأنّ كل من خالف في هذا الباب ، لا يقتضي مذهبه التفرقة بين الرسول والداعي ، لأنّه إن كان من أصحاب الاضطرار فلا وجه لذلك عنده ، وكذلك إن كان من أصحاب الاكتساب ( ق ، غ 12 ، 367 ، 5 )
- إنّ النظر في باب الدين وإن كان لا بدّ من أن يكون مرادا للّه ، تعالى ، فغير واجب أن يعلم المكلّف ذلك من حاله . لأنّه في وقت وجوده لا يعرف اللّه ، تعالى ، فبأن لا يعرف إرادته