تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦

ر

رأس المال

- إنّ معنى التجارة تنمية المال بشراء البضائع ومحاولة بيعها بأغلى من ثمن الشراء ، إمّا بانتظار حوالة الأسواق أو نقلها إلى بلد هي فيه أنفق وأغلى ، أو بيعها بالغلاء على الآجال . وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير . إلّا أنّ المال إذا كان كثيرا عظم الربح ، لأنّ القليل في الكثير كثير . ثم لا بدّ في محاولة هذه التنمية الذي هو الربح من حصول هذا المال بأيدي الباعة بشراء البضائع وبيعها وتقاضي أثمانها . وأهل النّصفة قليل ؛ فلا بدّ من الغشّ والتطفيف المجحف بالبضائع ، ومن المطل في الأثمان المجحف بالربح ، كتعطيل المحاولة في تلك المدّة وبها نماؤه ، ومن الجحود والإنكار المسحت لرأس المال إن لم يتقيّد بالكتاب والشهادة . وغناء الحكام في ذلك قليل ، لأن الحكم إنّما هو على الظاهر فيعاني التاجر من ذلك أحوالا صعبة ، ولا يكاد يحصل على ذلك التافه من الربح إلّا بعظم العناء والمشقّة ، أو لا يحصل أو يتلاشى رأس ماله . فإن كان جريئا على الخصومة ، بصيرا بالحسبان ، شديد المماحكة ، مقداما على الحكّام ، كان ذلك أقرب له إلى النّصفة بجراءته منهم ومماحكته ؛ وإلّا فلا بدّ له من جاه يدّرع به ، يوقع له الهيبة عند الباعة ويحمل الحكام على إنصافه من معامليه ، فيحصل له بذلك النّصفة في ماله طوعا في الأول وكرها في الثاني . وأما من كان فاقدا للجراءة والإقدام من نفسه فاقد الجاه من الحكام فينبغي له أن يجتنب الاحتراف بالتجارة ، لأنّه يعرّض ماله للضياع والذهاب ويصير مأكلة للباعة ، ولا يكاد ينتصف منهم لأنّ الغالب في الناس ، وخصوصا الرعاع والباعة ، شرهون إلى ما في أيدي الناس سواهم ، متوثبون عليه ؛ ولولا وازع الأحكام لأصبحت أموال الناس نهبا . ( مقد 2 ، 928 ، 10 ) - إنّ رخص الأسعار مضرّ بالمحترفين بالرخيص ، وذلك أنّ الكسب والمعاش كما قدّمناه إنّما هو بالصنائع أو التجارة ؛ والتجارة هي شراء البضائع والسلع وادخارها يتحيّن بها حوالة الأسواق بالزيادة في أثمانها ويسمّى ربحا ، ويحصل منه الكسب والمعاش للمحترفين بالتجارة دائما ، فإذا استديم الرخص في سلعة أو عرض من مأكول أو ملبوس أو متموّل على الجملة ، ولم يحصل للتاجر حوالة الأسواق فسد الربح والنماء بطول تلك المدة ، وكسدت سوق ذلك الصنف ، فقعد التجّار عن السعي فيها ، وفسدت رؤوس أموالهم . واعتبر ذلك أولا بالزرع فإنّه إذا استديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلّة الربح فيه وندارته أو فقده ، فيفقدون النماء في