في بيان مراتب النفس . ومنها مرادف القدرة وهذا المعنى أخصّ من الأول . ومنها ما به القدرة على الأفعال الشاقّة ، وهذه العبارة توهم أنّ القوة بهذا المعنى سبب للقدرة وليس كذلك ، بل الأمر بالعكس . ففي المباحث المشرقية أنّ القوة بهذا المعنى كأنّها زيادة وشدة في المعنى الذي هو القدرة . وقد قيل المراد بالقدرة على الأفعال الشاقة التمكّن منها ، والقوة بهذين المعنيين من الكيفيات النفسانية إذا خصّت بالأعراض . ومنها عدم الانفعال . ومنها عدم الانفعال بسهولة . ومنها الإمكان المقابل للفعل وهو الإمكان الاستعدادي ، وهذه القوة قد تكون تهيّئا لشيء واحد دون مقابله كقوة الفلك على الحركة فقط ، وقد تكون تهيّأ للشيء وضدّه جميعا ، وقد تكون قوة في شيء لقبول آخر دون حفظه كالماء ، وقد يكون فيه قوة للقبول والحفظ جميعا كالأرض ، وفي الهيولى الأولى قوة قبول سائر الأشياء لأنّ تخصيص قبولها لبعض الأشياء دون بعض بتوسّط أمر حاصل فيها كما يستعدّ بواسطة الرطوبة لسهولة الانفصال . والفرق بين القوة بهذا المعنى وبين الاستعداد أنّ القوة تكون قوة الشيء وضدّه بخلاف الاستعداد ، وهي تكون بعيدة وقريبة دون الاستعداد ، كذا في شرح هداية الحكمة الصدري . وقد عرفت في لفظ العقل أنّ الاستعداد يكون قريبا وبعيدا ومتوسّطا وقد سبق في لفظ القبول ما ينافيه أيضا . ومنها الإمكان الذاتي صرّح به الشارح العبهري « 1 » وهو الموافق لكلام الإمام ، ويدلّ عليه كلام شارح الطوالع مع أنّ القوة التي هي قسمة الفعل إمكان الشيء مع عدم حصوله بالفعل ، والإمكان جزء معناها ، فيقال القوة لإمكان الشيء مجازا تسمية للجزء باسم الكلّ .
ومما يؤيّد ذلك ما قال الصادق الحلوائي في حاشية بديع الميزان في بخت الخاصة من أنّ للقوة معنيين أحدهما صلاحية الحصول مع عدم الحصول بالفعل ، فإذا حصل بالفعل لا يبقى صالحا بالقوة ، فهو بهذا المعنى قسيم الفعل .
والثاني الإمكان وهو استواء طرفي الوجود والعدم وهو بهذا المعنى أعمّ منه بالمعنى الأول ، والممكن إذا كان حاصلا بالفعل لا يخرج عن الإمكان الذاتي . ومنها مربّع الخطّ ، قال شارح المواقف : لفظ القوة معناها المشهور عند الجمهور هو تمكّن الحيوان من الأفعال الشاقة من باب الحركات ليست بأكثر الوجود عن الناس ، وهذا المعنى يقابل الضّعف . ثم إنّ لها مبدأ ولازما . أمّا المبدأ فهو القدرة أي كون الحيوان إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل .
وأمّا اللازم فهو عدم انفعال الحيوان بسهولة وذلك لأنّ أول التحريكات الشاقة إذا انفعل عنه صدّه ذلك عن إتمام فعله فصار الانفعال دليلا على الشّدة ، ثم إنّهم نقلوه أي اسم القوة إلى ذلك المبدأ وهو القدرة وإلى ذلك اللازم وهو عدم انفعال الحيوان بسهولة ، ثم عمّم فاستعمل في كون الشيء مطلقا حيوانا كان أو غيره بهذه الحيثية ، ثم عمّم من الحيثية أيضا فأطلق على عدم الانفعال . ثم إنّ للقدرة لازما وهو الإمكان الذاتي لأنّ القادر لما صحّ منه الفعل وتركه كان إمكان الفعل لازما للقدرة ، فنقل اسم القوة إليه ونقل أيضا من القدرة إلى سببها وهو إمكان الحصول مع عدمه ، أي القوة الانفعالية التي لا تجامع الفعل ، وهو الذي يتوقّف عليه وجود الحادث ، وذلك لأنّ القدرة إنّما تؤثّر وفق الإرادة التي يجب مقارنتها لعدم المراد . فلو لا الإمكان المقارن للعدم لم تؤثّر القدرة في ذلك المراد ، فهذا الإمكان سبب القدرة بحسب الظاهر . وأيضا للقدرة صفة هي كالجنس لها
هامش
( 1 ) الأرجح انه الامام العبري ، عبيد اللّه بن محمد العبيدلي الشريف الفرغاني برهان الدين ، المعروف بالعبري . توفي عام 743 ه قاض بتبريز ، له عدة مؤلفات وكتب ، منها حاشية على شرح الطوالع . كشف الظنون 2 / 1116 .