« لعن اللّه الراشي والمرتشي » « 1 » . وفي الحموي حاشية الأشباه والنظائر الرّشوة لا تملك ، ولو أخذ مورثه رشوة أو ظلما إن علم بذلك بعينه لا يحلّ له أخذه ، وإن لم يعلمه بعينه له أخذه حكما . وأما في الديانة فيتصدّق به بنية الخصماء انتهى . وفي دستور القضاة « 2 » وإن ارتشى القاضي أو أحد من أصحابه ليعين للراشي عند القاضي ولم يعلم القاضي بذلك وقضى للراشي نفذ قضاؤه ، ويجب على القابض ردّ ما قبض ويأثم الراشي . وإن علم القاضي بذلك فقضاؤه مردود ، وهو كما ارتشى بنفسه وقضى للراشي انتهى . وفي نصاب الاحتساب الرّشوة على أربعة أوجه : إمّا أن يرشوه لأنّه قد خوّفه فيعطيه ليدفع الخوف عن نفسه ، أو يرشوه ليسوّي بينه وبين السلطان ، أو يرشوه ليتقلّد القضاء من السلطان ، أو يرشوه للقاضي ليقضي له ، ففي الوجه الأول لا يحلّ الأخذ لأنّ الكفّ عن التخويف كفّ عن الظلم وأنّه واجب حقّا للشرع ، فلا يحل أخذه لذلك ، ويحلّ للمعطي الإعطاء لأنّه جعل المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع .
فلذلك نقول في المحتسب إذا خوّف إنسانا بظلم وأعطاه ذلك الإنسان ليدفع عنه ذلك الخوف فهو جائز للمعطي ، ويحرم على المحتسب . وفي الوجه الثاني أيضا لا يحلّ للآخذ لأنّ الإقامة بأمور المسلمين وإعانة الملهوفين عند القدرة عليها واجب على الكفاية ديانة وحقا للشرع بدون المال ، فهو يأخذ المال عمّا وجب عليه الإقامة بدونه ، فلا يحلّ له الأخذ . فإذا أخذ المال من المظلوم بالشرط فهو حرام . لكن لمّا لم يكن واجبا عليه عينا بل يسع له تركه في الجملة ، أي إذا باشره أحد غيره لكفاه . فبناء على هذا لو أخذ شيئا بعد إنجاحه مرامه بلا شرط أصلا فهو على الاختلاف المذكور . فقال بعضهم إنّه حلال نظرا إلى عدم الوجوب عليه عينا وإلى جواز الترك في الجملة . وقال بعضهم إنّه حرام نظرا إلى نفس الوجوب وإن كان على الكفاية ، ولأنّه إذا أدّاه كان أداء للواجب ، فكان اعتياضا عن الواجب ، وهو حرام ، بخلاف القاضي وأمثاله فإنّه واجب عليه عينا . فلهذا يحرم عليه مطلقا أي سواء كان بشرط أو لا بشرط ، وسواء كان قبل الحكم أو بعده ، وهذه الحرمة بالإجماع بلا خلاف أحد . وفي الوجه الثالث لا يحل الأخذ والإعطاء ، وهكذا في أصحاب محتسب الملك إذا أخذوا شيئا من النائبين على الاحتساب في القصبات ليسوّوا أمرهم في نيابتهم ليتقرروا على عهدة الاحتساب فهو حرام ، كما في الرشوة في باب السعي بين القضاة وبين السلطان ليوليهم على القضاء . وفي الوجه الرابع حرم الأخذ سواء كان القضاء بحقّ أو بظلم . أمّا بظلم فلوجهين : الأول أنّه رشوة والثاني أنّه سبب للقضاء بالحرام ، وأما بحقّ فلوجه واحد وهو أنّه أخذ المال لإقامة الواجب . أمّا الإعطاء فإن كان لجور لا يجوز ، وإن كان لحقّ أي لدفع الظلم عن نفسه أو عن ماله جاز لما بيّنا . فعلى هذا المحتسب أو القاضي إذا أهدي إليه فممّن يعلم أنّه يهدي لاحتياجه إلى القضاء والحسبة لا يقبل ، ولو قبل كان رشوة . وأمّا ممّن يعرف أنّه يهدي للتودّد والتحبّب لا للقضاء والحسبة فلا بأس بالقبول منه لأنّ الصحابة كانوا يتوسّعون في قبول الهدايا منهم ، وهذا لأنّ الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون منهم شيئا ، وإنّما كانوا يهدون لأجل التودّد والتحبّب وكانوا يتوحّشون بردّ هداياهم ، فلا يمكن فيه معنى الرشوة ، فلهذا كانوا
هامش
( 1 ) شرح السنة للبغوي : 10 / 87 رقم 2493 ، حديث صحيح . أخرجه أحمد 2 / 164 ، و 190 و 194 .
أبو داود ( 3580 ) ، الترمذي 1337 ، ابن ماجة 2313 .
( 2 ) فارسي للقاضي مسعود الرازي . ولم يذكر حاجي خليفة تاريخ وفاته . كشف الظنون ، 1 / 754 .