قف بالديار التي لم يعفها القدم * بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
دلّ الكلام السابق على أنّ تطاول الزمان لم يعف الديار أي لم يغيّرها ، ثم عاد إليه ونقضه بأنّه قد غيّرها الرياح والأمطار لنكتة ، هي إظهار الكآبة والحزن والحيرة حتى كأنّه أخبر أولا بما لم يتحقّق ثم رجع إليه عقله وأفاق بعض الإفاقة ، فتدارك كلامه قائلا بلى عفاها القدم وغيّرها الأرواح والدّيم . ومثله :
فأفّ لهذا الدّهر [ لا ] « 1 » بل لأهله ، كذا في المطول . ومثاله في الفارسي على ما في مجمع الصنائع وترجمته :
ذهب قلبي مع معرفته بالصبر * لقد أخطأت فأين كان قلبي
العينان النفّاذتان ليستا نائمتين ولا مستيقظتين . * لقد أخطأت بقولي : ليس سكرانا ولا صاحيا . « 2 »
الرّحاء :
[ في الانكليزية ]
Hope
،
fear
[ في الفرنسية ]
Esperance
،
crainte
بالحاء المهملة قد عرفت في الرّجاء بالجيم .
الرّحمة :
[ في الانكليزية ]
Mercy
،
clemency
[ في الفرنسية ]
Misericorde clemence
بالفتح وسكون الحاء المهملة لغة رقّة القلب وانعطاف يقتضي التّفضّل والإحسان ، وهي من الكيفيات التابعة للمزاج ، واللّه سبحانه منزّه عنها ، فإطلاقه عليه مجاز عمّا يترتّب عليه من إنعامه على عباده ، كالغضب فإنّه لغة ثوران النفس وهيجانها عند إرادة الانتقام ، فإذا أسند إلى اللّه تعالى أريد به المنتهى والغاية . ولذا قيل أسماء اللّه تعالى إنّما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفعالات .
وذكر بعض المحققين أنّ الرحمة من صفات الذات وهي إرادة إيصال الخير ودفع الشّر .
فالباري سبحانه رحمن ورحيم لأنّ إرادته أزلية ، ومعنى ذلك أنّه تعالى أراد في الأزل أن ينعم على عبيده المؤمنين فيما لا يزال . وقال آخرون هي من صفات الفعل وهي إيصال الخير ودفع الشرّ ، ونسبتها إليه سبحانه عبارة عن عطاء اللّه تعالى العبد ما لا يستحقّه من المثوبة ودفع ما يستوجبه من العقوبة . وقيل هي ترك عقوبة من يستحقّ العقوبة . وذكر الإمام الرازي في مفاتيح الغيب أنّ الرحمة لا تكون إلّا للّه تعالى لأنّ الجود هو إفادة ما ينبغي لا لغرض ، وكل أحد غير اللّه إنّما يعطي ليأخذ عوضا ، إلّا أنّ العوض أقسام . منها جسمانية كمن أعطى دينارا ليأخذ كرباسا . ومنها روحانية وهي أقسام . أحدها إعطاء المال لطلب الخدمة . والثاني إعطاؤه لطلب الثناء الجميل . والثالث إعطاؤه لطلب الإعانة . والرابع إعطاؤه لطلب الثّواب الجزيل .
والخامس إعطاؤه لدفع الرّقة الجنسية عن القلب . والسادس إعطاؤه ليزيل حبّ المال عن قلبه ، فكلّ من أعطى إنّما يعطي لغرض تحصيل الكمال ، فيكون ذلك في الحقيقة معاوضة . وأمّا الحقّ سبحانه فهو كامل في نفسه فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالا .
اعلم أنّ الفرق بين الرحمن والرحيم أنّ الرحمن اسم خاص بصفة عامة ، والرحيم اسم عام بصفة خاصة ، وخصوص اللفظ في الرحمن بمعنى أنّه لا يجوز أن يسمّى به لما سوى اللّه تعالى .
وعموم المعنى من حيث إنّه يشتمل على جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع . وعموم اللفظ في الرحيم من حيث اشتراك
هامش
( 1 ) ( [ لا ] ( + م ) .
( 2 ) ومثاله في الفارسي على ما في مجمع الصنائع .دلم رفت آنكه با صبر آشنا بود * خطا گفتم مرا دل خود كجا بوددو چشم شوخ ني خفته نه بيدار * غلط گفتم كه ني مست ونه هوشيار .