قبلها وما بعدها تحتمله الآية ، غير مخالف للكتاب والسنّة ، غير محظور على العلماء بالتفسير ، كقوله تعالى :
انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا
« 1 » قيل شبابا وشيوخا ، وقيل أغنياء وفقراء ، وقيل نشّاطا وغير نشّاط ، وقيل أصحاء ومرضى ، وكل ذلك سائغ ، والآية تحتمله . وأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور ، لأنه تأويل الجاهلين ، مثل تأويل الروافض قوله تعالى
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
« 2 » انهما علي وفاطمة ،
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
« 3 » يعني الحسن والحسين .
فائدة :
وأما كلام الصوفية في القرآن ، فليس بتفسير . وقال النسفي « 4 » في عقائده « 5 » : النصوص محمولة على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدّعيها أهل الباطن إلحاد . وقال التفتازاني في شرحه : سمّيت الملاحدة باطنية لادّعائهم أنّ النصوص ليست على ظواهرها ، بل لها معان باطنة لا يعرفها إلّا المعلّم ، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية . وأما ما ذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص مصروفة على ظواهرها ، ومع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان « 6 » . فإن قلت : قال رسول
هامش
العباس الكواشي ولد بالموصل عام 590 ه / 1194 م . وفيها توفي عام 680 ه / 1281 م . مفسر ، فقيه شافعي .
له الكثير من المؤلفات . الاعلام 1 / 274 ، النجوم الزاهرة 7 / 348 ، نكت الهميان 116 .
( 1 ) التوبة / 41 .
( 2 ) الرحمن / 19 .
( 3 ) الرحمن / 22 .
( 4 ) النسفي : هو الإمام عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل نجم الدين النسفي . ولد عام 461 ه / 1068 م ، وتوفي 537 ه / 1142 م . عالم بالتفسير والأدب والتاريخ ، فقيه حنفي ، له العديد من المصنفات . الأعلام 5 / 60 ، لسان الميزان 4 / 327 ، إرشاد الأريب 6 / 53 .
( 5 ) العقائد النسفية لأبي حفص ، عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي ( - 537 ه / 1142 م ) . وكتابه في العقيدة وأصول الدين . طبع في كلكوتا سنة 1260 ه ، وألّفت عليه شروحات وحواشي كثيرة أهمها : شرح العقائد النسفية للتفتازاني وقد سبقت الإشارة إليها . معجم المطبوعات العربية 637 .
( 6 ) العرفان استخدم هذا المصطلح في الموروث المعرفي العربي والاسلامي تعبيرا عن طريق معرفي يحصل عند العارف والحكيم بالإلهام والكشف ؛ على أن الإلهام والكشف يحصلان بعدة مسالك ، منها الإشراق المعرفي ، ومنها الكرامة الصوفية ، وأخرى بالخيال والتنبؤ . وعرف لغة : العلم ، وعرفه عرفة وعرفانا وعرفانا ومعرفة . . .
ورجل عروف وعرفة : عارف يعرف الأمور . وفي حديث ابن مسعود : فيقال لهم هل تعرفون ربكم ؟ فيقولون : إذا اعترف لنا عرفناه ، أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفنا . . . ويقال للحاذي - يدّعي علم الغيب - عرّاف . . .
وللطبيب ( لسان العرب ، مادة عرف ) . وقيل : العلم يقال لادراك الكلي أو المركب ، والمعرفة تقال لإدراك الجزئي أو البسيط ، ولهذا يقال عرفت اللّه دون علمه . . . ويستعمل العرفان فيما تدرك آثاره ولا تدرك ذاته . ( الكفوي ، الكليات ، ج 3 ، ص 204 ) فعرف والعرفان تشيران إلى الادراك المباشر وإلى ادراك الآثار . ثم إن عرفان على وزن فعلان : خصوصيته الدلالة على التفعّل والاضطراب خفيفا أو ثقيلا . . . وفعلان : خصوصيته الدلالة على الشيء المحشو من معنى الوصف . ( العلائلي ، المقدمة اللغوية ، ص 66 وص 75 ) . وبهذا نرى أن العرفان على وزنيه يدلّ على الاضطراب والظهور والاختفاء بمثل ما يدل على الحشو في الوصف . وفي الحالين فإن الأمر إذا ما أخذ منضافا إلى دلالة لفظ عرف والاصطلاح عبّر أصدق تعبير عن حقيقة العرفان ومفهومه . إذ هو معرفة مباشرة بالبسيط مخالف للبرهان والعلم الكلي يداخله الظن وحشد الأوصاف والاضطراب مثلما يباطنه الكشف والحدس . ومن ثمّ أطلق اللفظ على ثلاثة معان :
- قابل لفظة الغنوصGnose، ودلّ أحيانا على من اتبع المعرفة الغنوصية .