أي الدليل بالمعنى المذكور يشتمل الظنّي الموصل إل الظنّ كالغيم الرطب الموصل إلى الظنّ بالمطر ، والقطعي الموصل إلى القطع كالعالم الموصل إلى العلم بوجود الصانع . وقد يخصّ الدليل بالقطعي ويسمّى الظنّي أمارة ، وقد يخصّ الدليل أيضا مع التخصيص الأول بما يكون الاستدلال فيه من المعلول على العلّة ويسمّى برهانا إنّيا ويسمّى عكسه ، وهو ما يستدل فيه من العلة على المعلول تعليلا وبرهانا لمّيا . والدليل عند الميزانيين منقسم إلى القياس والاستقراء والتمثيل لأنّ الدليل لا يخلو إمّا أن يكون على طريق الانتقال من الكلّي إلى الكلّي أو إلى الجزئي فيسمّى برهانا وقياسا ، أو من الجزئي إلى الكلّي فيسمّى استقراء ، أو من الجزئي إلى الجزئي فيسمّى تمثيلا ، هكذا في حواشي السلم .
وذكر المحقق التفتازاني في حاشية العضدي أنّه قال الآمدي : أمّا الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل .
وقيل الذاكر له ، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد وهو المسمّى دليلا في عرف الفقهاء سواء أوصل إلى علم أو ظن . والأصوليون يفرّقون فيخصّون الدليل بما يوصل إلى علم والامارة بما يوصل إلى ظن ، فحدّه عند الفقهاء ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ، وعند الأصوليين ما يمكن التوصّل به إلى العلم بمطلوب خبري . ثم قال المحقّق التفتازاني والأقرب أنّ اصطلاح الأصول ما ذكره الشارح أي شارح مختصر الأصول وهو عضد الملّة والدين . وبعد هذا فنشرع في شرح التعريف للدليل بالمعنى الأول فإنّه يكفيك .
فنقول اعتبر إمكان التوصّل إذ الدّليل من حيث هو دليل لا يعتبر فيه التوصّل بالفعل فإنّه لا يخرج عن كونه دليلا بأن لا ينظر فيه أصلا ، ولو اعتبر وجود التوصّل يخرج عن التعريف ما لم ينظر فيه أحد أبدا ، والإمكان إن أريد به الإمكان الخاص يختص التعريف بمذهب الأشعري ، وإن أريد به الإمكان الجامع للوجوب والفعل فيشتمل التوصّل عادة كما هو مذهب أهل السّنة . والتوصّل توليدا كما هو مذهب المعتزلة . والتوصل اعدادا كما هو مذهب الحكماء . والتوصّل لزوما كما هو مذهب الرازي يصحّ التعريف على جميع المذاهب المذكورة . وحيث كان التوصل أعمّ من أن يكون إلى علم أو ظنّ يتناول التعريف القطعي والظنّي . والمراد بالنظر فيه ما يتناول النظر في نفسه والنظر في أحواله وصفاته بأن يطلب من أحواله ما هو وسط مستلزم للحال المطلوب إثباته للمحكوم عليه . وترتب مقدمتان إحداهما من الوسط والمحكوم عليه وثانيتهما من الوسط ، والحال المطلوب إثباته ويحصل منهما المطلوب الخبري ، كالعالم فإنّه دليل على وجود الصانع إذا نظر في أحواله كالحدوث بأن يقال العالم حادث وكلّ حادث فله صانع ، والمقدّمات المتفرّقة والمترتبة الغير المأخوذة مع الترتيب إذا نظر في أنفسها بأن ترتب ترتيبا صحيحا مستجمعا لشرائط الإنتاج يتوصّل بها إلى المطلوب الخبري . وبالجملة فقوله النظر في نفسه يتناول التصوّرات المتعدّدة متفرقة أو مترتّبة لم تؤخذ مع الترتيب ، والمقدّمات متفرّقة أو مترتّبة كذلك . وقوله والنظر في أحواله يتناول المفرد فقط ، فعلم من هذا أنّ الدليل عندهم قسمان : مفرد ومركّب وهو المقدّمات الغير المأخوذة مع الترتيب . وأمّا المقدمات المأخوذة مع الترتيب فهي خارجة عن تعريف الدليل عندهم ، وأمّا عند المنطقيين فهي الدليل لا غير .
فأقول إذا تناول النظر ما يتناول « 1 » النظر في
هامش
( 1 ) يكون ( م ، ع ) .