اللزوم لا يتوقف على تحقّق الملزوم ولا اللازم ، ويجيء أيضا في لفظ القياس مع بيان فائدة قيد تقدير التسليم ، هكذا ذكر السيّد السّند في حاشية العضدي . والظاهر أنّ هذا التعريف شامل للصناعات الخمس مرادف للقياس ، ويؤيده ما ذكر الهداد - الهادية - في حاشية الكافية في تقسيم الكلمة إلى الاسم وأخويه من أنّ الدليل والقياس في اصطلاح المنطقيين بمعنى واحد ، وهو قول مؤلّف من قضايا متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر انتهى .
نعم قد يطلق الدليل عندهم على معنى أخصّ أيضا وهو البرهان كما عرفت ، ولكن هذا التعريف ليس تعريفا له وإن ذكروه في تعريفه .
قيل وفي هذا التعريف الثاني بحث وهو أنّ فيضان النتيجة بطريق العادة عند الأشاعرة ولا استلزام ذاتيا هناك ، إذ لا مؤثّر إلّا اللّه سبحانه .
فإن أريد بالاستلزام الذاتي امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلا كما هو المتبادر صحّ التعريف الثاني على رأي أصحابه دون الواقع بخلاف الأول فإنّه صحيح مطلقا ، إذ لم يذكر فيه الاستلزام الذاتي ، وإن حمل على الدوام والامتناع العادي فقد عدل به عن ظاهره انتهى . يعني أنّ هذا التعريف صحيح عند من عرّفه به غير صحيح بحسب الواقع ونفس الأمر إن أريد بالاستلزام الذاتي ما هو المتبادر منه ، أو معدول به عن ظاهره إن حمل الاستلزام الذاتي على الدوام فلا يخلو عن الاضطراب . أقول صحة التعريف يكفي فيها انطباقه على مذهب من يقول به ، وكونه غير مطابق للواقع لا يضرّه في صحته كما لا يخفى . ولذا قال المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي : إن أريد بالاستلزام الذاتي امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلا لا يصح التعريف إلّا على مذهب الحكماء والمعتزلة ، وإن أريد به امتناع الانفكاك في الجملة عقليا كان أو عاديا يصحّ على رأي الأشاعرة أيضا انتهى . لكن بقي هاهنا شيء وهو أنّ الدليل باصطلاح المنطقيين والحكماء يباين الدليل باصطلاح المتكلّمين والأصوليين . فما عرّفه به أحد الفريقين كيف ينطبق على مذهب الفريق الآخر .
أقول أمّا وجه تطبيق هذين التعريفين المذكورين للدليل على مذهب المتكلّمين والأصوليين فبأن يراد بالقولين الغير المرتّبين ، ويراد بالتكوّن والاستلزام ما يكون بالنظر الصحيح في أنفسهما ، فيكون هذان التعريفان تعريفين لأحد قسمي الدليل عندهم وهو المركّب . وأمّا وجه تطبيق تعريف الدليل بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى آخره فبأن يراد بلفظ ما المقدمات المأخوذة مع الترتيب ؛ كأنّه قيل الدليل مقدمات مترتّبة يتوصّل بها بسبب النظر الصحيح فيها أي بسبب ترتيبها إلى المطلوب الخبري ، هذا ما عندي .
وعرف الدليل أيضا بما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ، والمراد « 1 » بالعلم التصديق مطلقا أو اليقيني بقرينة أنّ الدليل لا يطلق اصطلاحا إلّا على الموصل إلى التصديق المقابل للمعرّف ، فخرج المعرّف بالنسبة إلى المعرّف والملزوم بالنسبة إلى اللازم ، فإنّ تصوّر الملزوم يستلزم تصوّر اللازم لا التصديق به . والمراد « 2 » بلزومه من آخر كونه حاصلا منه بأن يكون علّة له بطريق جري العادة أو التوليد أو الإعداد بقرينة كلمة من ، فإنّه فرّق بين اللازم للشيء وبين اللازم من الشيء فتخرج القضية المستلزمة لقضية أخرى كالعلم بالنتيجة فإنّه يستلزم العلم بالمقدمات المستنتجة منها سواء كانت بديهية أو كسبية . لكن يرد عليه ما عدا الشكل الأول لعدم
هامش
( 1 ) والمقصود ( م ، ع ) .
( 2 ) والمطلوب ( م ، ع ) .