عن الفعل مكروه كراهة التنزيه ، هذا على رأي محمد . وأمّا على رأيهما فهو أنّ ما يكون تركه أولى من فعله فهو مع المنع عن الفعل حرام ، وبدونه مكروه كراهة التنزيه إن كان إلى الحلّ أقرب ، بمعنى أنّه لا يعاقب فاعله لكن يثاب تاركه أدنى ثواب ، ومكروه كراهة التحريم إن كان إلى الحرام أقرب ، بمعنى أنّ فاعله يستحق محذورا دون العقوبة بالنار . ثم المراد بالواجب ما يشمل الفرض أيضا لأنّ استعماله بهذا المعنى شائع عندهم كقولهم الزكاة واجبة والحج واجب ، بخلاف إطلاق الحرام على المكروه تحريما فإنه ليس بشائع . والمراد بالمندوب ما يشمل السّنة الغير المؤكّدة والنفل .
وأمّا السّنة المؤكّدة فهي داخلة في الواجب على الأصح ، فصارت الأقسام ستة ، ولكلّ منها طرفان ، فعل أي الإيقاع ، وترك أي عدم الفعل ، فيصير اثنا عشر قسما ، هكذا في التلويح وحواشيه .
خاتمة
قد عرفت أنّ الحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب اللّه تعالى . فالإيجاب هو نفس معنى قوله افعل وهو قائم بذاته سبحانه ، وليس للفعل من الإيجاب المتعلّق به صفة حقيقية قائمة به تسمّى وجوبا . فإنّ القول لفظيا كان أو نفسيا ليس لمتعلّقه منه صفة حقيقية ، أي لا يحصل لما يتعلّق به القول بسبب تعلّقه به صفة موجودة لأنّ القول يتعلّق بالمعدوم كما يتعلّق بالموجود . فلو اقتضى تعلّقه تلك الصفة لكان المعدوم متصفا بصفة حقيقية ، وهو أي معنى قوله افعل إذ أنسب إلى الحاكم تعالى لقيامه به يسمّى إيجابا ، وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل لتعلّقه به يسمّى وجوبا ، فالإيجاب والوجوب متّحدان بالذات لأنّهما ذلك المعنى القائم بذاته تعالى المتعلّق بالفعل مختلفان بالاعتبار لأنّه باعتبار القيام إيجاب وباعتبار التعلّق وجوب ، وكذا الحال في التحريم والحرمة وترتّب الوجوب على الإيجاب بأن يقال أوجب الفعل ، فوجب مبني على التغاير الاعتباري ، فلا ينافي الاتّحاد الذاتي . وهذا كما قيل التعليم والتعلّم واحد بالذات واثنان بالاعتبار لأنّ شيئا واحدا وهو إسباق ما إلى اكتساب مجهول بمعلوم يسمّى بالقياس إلى الذي يحصل فيه تعلّما ، وبالقياس إلى الذي يحصل منه تعليما ، كالتّحرّك والتّحريك . فلذلك الاتحاد ترى الأصوليين يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة تارة والإيجاب والتحريم أخرى ومرة الوجوب والتحريم . قيل ما ذكرتم إنما يدلّ على أنّ الفعل من حيث تعلّق به القول لم يتصف بصفة حقيقية يسمّى وجوبا ، لكن لم لا يجوز أن يكون صفة اعتبارية هي المسمّاة بالوجوب ، أعني كونه حيث تعلّق به الإيجاب ، بل هذا هو الظاهر ، فيكون كلّ من الموجب والواجب متصفا بما هو قائم به . ولا شكّ أنّ القائم بالفعل ما ذكرناه لا نفس القول ، وإن كانت هناك نسبة قيام باعتبار التعلّق . ولو ثبت أنّ الوجوب صفة حقيقية لتمّ المراد إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر إلّا أنّ الكلام في ذلك .
واعلم أنّ النزاع لفظي إذ لا شكّ في خطاب نفساني قائم بذاته تعالى متعلّق بالفعل يسمّى إيجابا مثلا ، وفي أنّ الفعل بحيث يتعلّق به ذلك الخطاب الإيجابي يسمّى وجوبا . فلفظ الوجوب إن أطلق على ذلك الخطاب من حيث تعلقه بالفعل كان الأمر على ما سبق ، ولا يلزم المسامحة في وصف الفعل حينئذ بالوجوب ، وإن أطلق على كون الفعل تعلّق به ذلك الخطاب لم يتحدا بالذات ، وتلزم المسامحة في عباراتهم حيث أطلق أحدهما على الآخر . هذا كله خلاصة ما في العضدي وحواشيه .