فائدة :
في ذكر شروط الحذف وهي ثمانية .
الأول وجود دليل حالي أو مقالي إذا كان المحذوف جملة بأسرها نحو
قالُوا سَلاماً
« 1 » أي سلمنا سلاما ، ونحو
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً
« 2 » . أو أحد ركنيها نحو
قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
« 3 » أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون ، فحذف خبر الأولى ومبتدأ الثانية . أو لفظا يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو تاللّه تفتؤا . وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وجدان الدليل ولكن يشترط أن لا يكون في حذفه ضرر معنوي كما في قولك ما ضربت إلّا زيدا ، أو صناعي كما في قولك زيدا ضربته وقولك ضربني وضربت زيد .
ولاشتراط الدليل امتنع حذف الموصوف في نحو رأيت رجلا أبيض بخلاف رأيت رجلا كاتبا .
وحذف المضاف في نحو غلام زيد بخلاف جاء ربك . وحذف المبتدأ إذا كان ضمير الشأن .
ومن الأدلة ما هو صناعي أي تختصّ بمعرفة النحو فإنه إنما عرف من جهة الصناعة وإعطاء القواعد وإن كان المعنى مفهوما كقولهم في
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ
« 4 » أنّ التقدير لأنا أقسم وذلك لأنّ فعل الحال لا يقسم عليه . ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف فلا يجوز زيد ضارب وعمرو أي ضارب ، ويراد بالمحذوف معنى يخالف المذكور . ومن الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلّا بتقدير محذوف ، ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالته على تعيينه بل يستفاد التعيين من دليل آخر نحو
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
« 5 » فإنّه لمّا لم تصح إضافته إلى الإحرام دلّ العقل على حذف شيء ، وأمّا تعيينه وهو التناول فمستفاد من قوله عليه السلام والصلاة « إنّما حرم أكلها » « 6 » . وتارة يدل على التعيين أيضا نحو
وَجاءَ رَبُّكَ
« 7 » أي أمر ربك بمعنى عذابه لأنّ العقل دلّ على استحالة مجيء الربّ تعالى ، وعلى أنّ الجائي أمره . وتارة يدلّ على التعيين عادة نحو
فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
« 8 » دلّ العقل على الحذف لأنّ يوسف لا يصلح ظرفا للّوم . ثم يحتمل أن يقدّر لمتنني في حبه لقوله تعالى
قَدْ شَغَفَها حُبًّا
« 9 » وفي مراودته لقوله تعالى
تُراوِدُ فَتاها
« 10 » ، والعادة دلّت على الثاني لأنّ الحبّ المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة لأنه ليس اختياريا بخلاف المراودة . وتارة يدلّ عليه التصريح به في موضع آخر وهو أقواها نحو
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ
« 11 » أي من عند اللّه بدليل
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 12 » . ومن الأدلة علي أصل الحذف العادة بأن يكون العقل
هامش
( 1 ) الفرقان / 63 .
( 2 ) النحل / 30 .
( 3 ) الذاريات / 25 .
( 4 ) القيامة / 1 .
( 5 ) المائدة / 3 .
( 6 ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الذبائح والصيد ، باب جلود الميتة 62 ، ونص الحديث كما رواه ابن عباس : « أن رسول اللّه ( ص ) مرّ بشاة ميّتة فقال : هلّا استمتعتم بإهابها ؟ قالوا : إنها ميتة . قال : إنما حرّم أكلها » . وكذلك اخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحيض ، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ ، 10 / 363 .
( 7 ) الفجر / 22 .
( 8 ) يوسف / 32 .
( 9 ) يوسف / 30 .
( 10 ) يوسف / 30 .
( 11 ) البيّنة / 2 .
( 12 ) البقرة 101 .