تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإنّ الجنسية علّة الضّمّ ، فإن اتفقت هذه الحالة في النفس الخيّرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما ، وإن اتفقت في النفس الشريرة سمّي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة . ومنهم من زعم أنها أجسام . والقائلون بهذا اختلفوا على قولين : منهم من زعم أنّ الأجسام مختلفة في ماهياتها إنما المشترك بينها صفة واحدة ، وهو كونها بأسرها في الحيّز والمكان والجهة ، وكونها قابلة للأبعاد الثلاثة ، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في الماهية ، وإلّا يلزم أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية ، مع أنّ الحق عند الحكماء أنّه ليس للأعراض قدر مشترك بينها من الذاتيات إذ لو كان كذلك لكان ذلك المشترك جنسا لها وحينئذ لا تكون الأعراض التسعة أجناسا عالية ، بل كانت أنواع جنس . فلما كان الحال في الأعراض كذلك فلم لا يجوز أن يكون الحال في الأجسام أيضا كذلك ، فإنّه كما أنّ الأعراض مختلفة في تمام الماهية متساوية في وصف عرضي ، وهو كونها عارضة لمعروضاتها ، فكذلك الأجسام مختلفة في الماهيات متساوية في الوصف العرضي المذكور . وهذا الاحتمال لا دافع له أصلا . فلمّا ثبت هذا الاحتمال ثبت أنّه لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن يكون مخالفا لسائر أنواع الهواء في الماهية ، ثم تكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة على أفعال عجيبة من التّشكّل بأشكال مختلفة ونحوه . وعلى هذا يكون القول بالجن وقدرتها على التّشكل ظاهر الاحتمال . ومنهم من قال الأجسام متساوية في تمام الماهية والقائلون بهذا أيضا فرقتان . الأولى الذين زعموا أنّ البنية ليست شرطا للحياة وهو قول الأشعري وجمهور أتباعه . وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قريبة . قالوا لو كانت البنية شرطا للحياة لكان إمّا أن يقوم بالجزءين حياة واحدة فيلزم قيام العرض الواحد بالكثير وأنه محال ، وإمّا أن يقوم بكل جزء منها حياة على حدّة ، وحينئذ فإمّا أن يكون كلّ واحد من الجزءين مشروطا بالآخر في قيام الحياة فيلزم الدور ، أو يكون أحدهما مشروطا بالآخر في قيام الحياة وبالعكس فيلزم الدور أيضا ، أو يكون أحدهما مشروطا بالآخر من غير عكس فيلزم الترجيح بلا مرجّح ، أو لا يكون شيء منهما مشروطا بالآخر وهو المطلوب . وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق اللّه تعالى في الجواهر الفردة علما بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقّة شديدة وإرادة إليها . فظهر القول [ بإمكان ] « 1 » بوجود الجنّ سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة ، وسواء كانت أجرامهم صغيرة أو كبيرة . الثانية الذين زعموا أنّ البنية شرط للحياة وأنّه لا بدّ من صلابة في الجثة حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة ، وهو قول المعتزلة . وقالوا لا يمكن أن يكون المرء حاضرا والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلا وتكون الحاسة سليمة ، ومع هذا لا يحصل الإدراك المتعلّق بتلك الحاسة بل يجب حصول ذلك الإدراك حينئذ ، وإلّا لجاز أن يكون بحضرتنا جبال لا نراها وهذا سفسطة . وقال الأشاعرة يجوز أن لا يحصل ذلك الإدراك لأنّ الجسم الكبير لا معنى له إلّا تلك الأجزاء المتألّفة ، وإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء ، فإمّا أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء أو لا يكون . فإن كان الأول لزم الدور لأنّ الأجزاء متساوية ، وإن لم
هامش
( 1 ) بإمكان ( + م ) .