لئلّا يخرج عن التعريف بدل الجملة من الجملة .
ثم البدل أقسام أربعة لأن البدل لا يخلو من أن يكون عين المبدل منه بأن يصدق على ما يصدق عليه المبدل منه أو لا يكون ، والثاني إمّا أن يكون بعض المبدل منه أو لا يكون ، والثاني إمّا أن يكون له بالمبدل تلبّس ما أو لم يكن ، فالأوّل بدل الكلّ وسماه ابن مالك في الألفية ببدل المطابق . قال الچلپي في حواشي المطول وهذه التسمية أحسن لوقوعه في اسم اللّه تعالى نحو
إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ
« 1 » فيمن قرأ بالجر ، فإنّ المتبادر من الكلّ التجزي وهو ممتنع في ذات اللّه تعالى ، فلا يليق هذا الإطلاق بحسن الأدب وإن حمل الكلّ على معنى أخر . والثاني بدل البعض نحو ضربت زيدا رأسه . والثالث بدل الاشتمال نحو أعجبني زيد علمه . والرابع بدل الغلط . وبهذا اندفع اعتراض من يقول إنّ هاهنا قسما خامسا وهو بدل الكلّ من البعض نحو نظرت إلى القمر فلكه لأنّ هذا من بدل الاشتمال ، إذ بدل الاشتمال هو أن يكون بينه وبين متبوعه ملابسة بغيرهما أي تكون تلك الملابسة بغير كون البدل كلّ المبدّل منه أو جزءه ، فيدخل فيه ما إذا كان المبدل منه جزءا من البدل ويكون إبداله منه بناء على هذه الملابسة كما في المثال المذكور .
وإنما لم يجعل هذا البدل قسما خامسا ولم يسمّ ببدل الكلّ عن البعض لقلته وندرته ، بل قيل بعدم وقوعه في كلام العرب والمثال موضوع .
واعلم أنّ في إطلاق الملابسة يدخل بعض أفراد بدل الغلط نحو ضربت زيدا غلامه أو حماره . فالمراد بها ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النسبة إلى الملابس إجمالا ، نحو :
أعجبني زيد علمه ، حيث يعلم ابتداء أن يكون زيد معجبا باعتبار صفة من صفاته لا باعتبار ذاته ، فتضمن نسبة الإعجاب إلى زيد نسبة إلى صفة من صفاته ، وكذا في سلب زيد ثوبه ، بخلاف : ضربت زيدا حماره أو غلامه لأن نسبة الضرب إلى زيد تامة لا يلزم في « 2 » صحتها اعتبار غير زيد ، فيكون من باب بدل الغلط .
وكذا قولك بنى الأمير وكيله من باب بدّل الغلط لأن شرط بدل الاشتمال أن لا يستفاد هو من المبدل منه معينا ، بل تبقى النفس مع ذكر الأول منتظرة للبيان لإجمال الأول ، وهاهنا الأول غير مجمل لأنه يستفاد عرفا من قولك بنى الأمير أن الباني هو وكيله . ثم إنّه لا يرد على الحصر بدل التفضيل نحو الناس رجلان ، رجل أكرمته ورجل أهنته ، فإنه من قبيل بدل الكلّ إذ البدل إنما هو المجموع . فإن قلت يجوز أن يكون بدل البعض . قلت فحينئذ يحتاج إلى الضمير ولم ير بدل تفضيل ملفوظا بالضمير ولا محتاجا إلى تقديره وذلك آية كونه بدل الكل . فإن قلت فإذا كان مجموع العاطفين بدل الكل فما رافع كلّ من الجزءين على انفراده مع أنه غير بدل على هذا التقدير ؟ . قلت هو نظير قولهم هذا حلو حامض ، فإن المجموع هو الخبر ، فكلّ واحد من الجزءين مرفوع وتحقيقه أنهم ذكروا أنّ في مثل قولهم هذا حلو حامض اعتبر العطف أوّلا ، ثم جعل المجموع خبرا لأنّ المقصود إثبات الكيفية المتوسّطة بين الحلاوة والحموضة ، لا إثبات أنفسهما كما قاله البعض ، بناء على أنّ الطعمين امتزجا في جميع الأجزاء . فعلى هذا القول يكون في كلّ من الحلو والحامض ضمير المبتدأ ، وعلى ما ذكروه يكون في المجموع ضمير المبتدأ ، وليس في شيء من الجزءين ضمير ولا محذور في خلو الصفة عن الضمير إذا لم تكن مسندة إلى شيء كما فيما نحن فيه ،
هامش
( 1 ) إبراهيم / 1 .
( 2 ) في ( - م ) .