المعاني والبيان » « 1 » .
ونحن عندما نتحدث عن هذه المرحلة من عمر اللغة فلنظهر وصولها إلى انتظام واستخراج منطق مجرّد ، يسعفنا على توليد المصطلح ، باستخدام آليات العربية ، بخصوصياتها لهضم المعنى الوافد ، عبر صياغاتها ، وبالتالي في الذهن العارف لمستعملها . أي نعمل على تطويع المعنى من خلال اختيار المصطلح له ، فنختار بعمل غير مباشر ، تقاربا بين المعارف واستعدادا للاستقبال الفكري ، يتم تطويعه بقالب اللغة التي تحمل في طياتها سمة المعارف . ولنا مثال مشخّص من علم الحياة . فعند زراعة الأعضاء أو الأنسجة يتم اختيار ما هو الأقرب والأشبه لتكوين الجسم المنوي الزرع فيه ، كي يتأقلم ما هو مزروع بما هو مزروع فيه . ثم يعملان سويا ، وأخيرا يتجانسان تقريبا بوحدة بعد الهضم في البنية . ولعل اللغة هي تلك الأداة للتأقلم وللانطباع في البنية .
والأرجح أن من أهم ميزات العربية وخصوصيتها البيانية طريقتي : الأوزان والحركات . فبهما يستفاد للكشف عن المعاني أو لتطويع المعاني وتسويغها . وعند ذكر الأوزان لا بدّ من ربطها بالقلب والابدال والاشتقاق . علما أن اللغويين الأوروبيين قلّلوا في مسائل البنيان والدلالة من قيمة التجاوز (
Diachronie
) في اللفظ .
حيث يختصر تاريخ الكلمة على عرض معناها الحالي ، ولا سيما أنّها تخضع لنظام يقال له المتزامن
synchronie
، مما يؤدّي إلى التطابق بين المعنى والشارة « 2 » .
وتختلف العربية في بنائها في صفتين : إنّها تأسّست في جزء كبير منها على التجاوز ولم تزل تخضع له . وإنّها تعتمد على الردّ إلى الثلاثي . وهذا ما يجعل العلاقة الداخلية الثابتة بالردّ إلى الأصل ، قائمة على وجود معنى عميق لهذا الأصل وعلى ارتباط ولو بسيط بالجديد ، مما يبعد صفة التزامن . كما أنّ اللفظة في العربية تستمد وجودها من خلال تغيّر التنوين عليها . وأقصد بالوجود دلالتها على المعنى وفعلها الاشاري .
إنّ التزامن يؤدّي إلى انقطاع دور تاريخ الكلمة في اللفظة الحالية ، وإلى اعتبار ما هي عليه اللفظة والكلمة والتركيب آنيا . ممّا يدفع إلى اتجاه القطع المعرفي على المستوى النظري في دراسة بنيان اللغة . بينما العربية في أشكالها وفي عملية بناء المبنى
هامش
( 1 ) السكاكي ، أبو يعقوب ، مفتاح العلوم ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، ص 3 .
( 2 )Saussure . F . , Cours de Linguistique generale , Paris ,1960. pp .65 - 20 .