المصطلح ودراسة المبنى :
ولا غرو من القول إن المصطلح لا يقف عند مسألة الدلالة وارتباط الاسم بالمعنى بل يطال دراسات المعنى والتركيب اللغوي . ولعلّ لفظ المبنى مرتبط بالبنية ومفاهيم التركيب الصوري للغة . إذ إنّ اللغة أشكال عناصرها الحروف ، والأصوات تتركب على نظم معين ، وفي أنساق محددة ، لتتميّز بنمط ما .
والمبنى متعلّق بالبيان ، حيث يردّ اللفظ إلى بين ويدلّ على « 1 » :
- الظهور والوضوح . وظهور الشيء يعقب تمايزه من غيره وانفصاله عنه ، ولا سيما إذا علمنا أن ( بين ) على وزن ( عين ) يفيد الفصل ، والبعد ، والفرقة ، ومنها المباينة .
- القدرة على التبليغ والفصاحة ، فبعد الظهور تأتي فصاحة اللسن ، والافصاح مع الذكاء ، وإظهار المقصود بأبلغ لفظ .
- تميّز الإنسان بفصل ومقوّميّة ، فقد ورد في القرآن الكريم :
خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ
الرحمن / 3 - 4 ، فبعد الخلق ، فصل الإنسان عن سواه بالبيان « 2 » .
فالبيان التميّز والظهور والبلاغ فالاتصال . وقد اختصر الجاحظ دور البيان قائلا :
« المعاني القائمة في صدور الناس . . . مستورة خفية . . . وإنما يحي تلك المعاني ذكرهم لها ، وإخبارهم عنها ، واستعمالهم إيّاها . . . وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختيار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى » « 3 » . ثم إن الإعراب هو الإبانة عن المعنى . إن النحو منطق العربية ، ففيه يتبيّن وجه تصرف الألفاظ في المعاني « 4 » . إنّ العلوم البيانية العربية قد كشفت عن منطق داخلي فيها ، وذلك حينما دفع بها تطورها الذاتي إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه . فالتعقيدات والتفنينات التي جاءت على يد اللغويين لم تكن خنقا للحياة في اللغة ، بل كان لا بدّ من الكشف عن النظم البنيوي لهذه اللغة . إنّ هذه العملية تسمّى عقل اللغة والبيان .
وهذا ما حدث عندما تم ضبط علم الصرف والاشتقاق ، وعلم المعاني والبيان وعلم النحو . كما إن « تتّبع تراكيب الكلام الاستدلالي ومعرفة خواصها مما يلزم صاحب علم
هامش
( 1 )Schaft , Langage et connaissance , p .299 .
( 2 ) ابن منظور ، لسان العرب ، مادة بين . والزمخشري ، أبو القاسم ، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، ج 4 ، ص 443 .
( 3 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، بيروت ، احياء التراث ، ج 1 ، ص 56 .
( 4 ) المرجع ذاته ، ص 56 .