تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
المعاني الثلاثة ، وإذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدلّ على تغايرهما كما في قوله تعالى
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا
« 1 » الآية ، وكما في بعض الأحاديث ، فهو باعتبار أصل مفهوميهما ، فإنّ الإيمان عبارة عن تصديق قلبي ، والإسلام عبارة عن طاعة وانقياد ظاهر كما صرّح بذلك في شروح صحيح البخاري . فصحّ ما قاله ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنهم لم يكونوا منافقين بل كان إيمانهم ضعيفا ، ويدل عليه قوله تعالى :
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
« 2 » الآية ، الدالّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم ، وحينئذ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه . ومما يصرح به قوله عليه الصلاة والسلام : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » « 3 » وفيه قولان لأهل السنة ، أحدهما هذا ، والثاني لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله ولا يطلق عليه مؤمن لإيهامه كمال إيمانه ، بل يقيّد فيقال : مؤمن ناقص الإيمان ، وهذا بخلاف اسم الإسلام فإنه لا ينتفي بانتفاء ركن من أركانه ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين . وكأنّ الفرق أنّ نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفي الإيمان . وحيث ورد ما يدلّ على اتحادهما كقوله تعالى
فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
« 4 » فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما . ومن هاهنا قال كثيرون إنهما على وزان الفقير والمسكين ، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودلّ بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده ، وإن قرن بينهما تغايرا كما في خبر أحمد « الإسلام علانية والإيمان في القلب » « 5 » ، وحيث فسّر الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لما تقرر أنه تصديق بأمور مخصوصة ، ومنه :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
« 6 » ، واتفقوا على أنّ المراد « 7 » به هنا الصلاة ومنه حديث وفد عبد القيس : « هل تدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمسا من المغنم » « 8 » ففسّر فيه الإيمان بما فسر في حديث جبرائيل الإسلام ، فاستفيد منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعا باعتبار أنها متعلقة مفهوميهما المتلازمين وهما التصديق والانقياد ، فتأمّل ذلك حق التأمّل لتندفع به عنك الشكوك الواردة هاهنا . وممّا أطلق فيه الإيمان على
هامش
( 1 ) الحجرات / 14 . ( 2 ) الحجرات / 14 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الصحيح ، 8 / 293 ، عن أبي هريرة ، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة ، باب إثم الزناة ، حديث رقم 9 / 6810 ، بلفظ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ، والتوبة معروضة . ( 4 ) الذاريات / 35 - 36 . ( 5 ) أخرجه أحمد في مسنده ، 3 / 134 ، عن أنس ، وتمامه : « والإيمان في القلب ، قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ، قال : ثم يقول : التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا » ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ، 1 / 52 ، باب الإسلام والإيمان ، عن أنس ، وقال عقبه : رواه أحمد وأبو يعلي بتمامه ، والبزار باختصار ، ورجاله رجال الصحيح . ( 6 ) البقرة / 143 . ( 7 ) المقصود ( م ، ع ) . ( 8 ) حديث وفد عبد القيس حديث طويل ورد بصيغ متعددة وروايات كثيرة ، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق رواية أبي جمرة . بينما يذكره أحمد بن حنبل في مسنده من طريق رواية أبان العطار عن قتادة . ذكر كل هذه الروايات وعلّق عليها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، في كتاب الإيمان 1 / 129 - 135 .