الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي ، بخلاف أظفار المنيّة فإنها مجاز عن الصورة الوهمية ليصحّ إضافتها إلى الوهمية ليصح إضافتها إلى المنيّة .
ومحصّله أنّ حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارة لما يصحّ إثباته للمشبّه ولا يحتاج إلى تجوّز في ذلك الإثبات ، وليس هذا الداعي في الترشيح لأنه أثبت للمشبّه به فلا وجه لجعله مجازا ، ولا يلزم عدم خروج الترشيح عن الاستعارة وعدم زيادته عليها لأنه فرّق بين المقيد والمجموع والمشبّه به هو الموصوف والصفة خارجة عنه لا المجموع المركب منهما ، وأيضا معنى زيادته أن الاستعارة تامة بدونه .
ويردّ على هذا أنّ الترشيح كما يكون في المصرّحة يكون في المكنية أيضا ففي المكنية لم يقرن المشبّه به فلا تفرقة هناك ، ويمكن أن يفرّق بأن التخييلية لو حملت على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكني عنها كما عرفت بخلاف المصرّحة فإن قولنا جاءني أسد له لبد ، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد ، فإن مآله جاءني رجل شجاع لما شبّهه به لبد ، لكنه لا يتم في قوله تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
« 1 » فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قصد بيانه للعهد ، فلا بدّ من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد .
فائدة :
التصريحية تعمّ التحقيقية والتخييلية ، والكلّ مجاز لغوي ومتباين ، هذا عند السكّاكي .
والمكنية داخلة في التحقيقية عند السلف لأنّ اللفظ المستعار المضمر في النفس وهو محقق المعنى . والتصريحية عند الخطيب ترادف التحقيقية وتباين التخييلية لأنها عنده ليست لفظا ، فلا تكون محقق المعنى ، وكذا تباين المكنية لأنها عنده نفس التشبيه المضمر في النفس فلا تكون محقق المعنى .
فائدة :
في تحقيق قرينة الاستعارة بالكناية ذهب السلف سوى صاحب الكشاف إلى أنّ الأمر الذي أثبت للمشبه من خواصّ المشبه به مستعمل في معناه الحقيقي ، وإنما المجاز في الإثبات ويحكمون بعدم انفكاك المكني عنده عنها ، وإليه ذهب الخطيب أيضا ، وجوّز صاحب الكشاف كون قرينتها استعارة تحقيقية وكذا السكاكي ، ووجه الفرق بين ما يجعل قرينة للمكنية ويجعل نفسه تخييلا أو استعارة تحقيقية أو إثباته تخييلا وبين ما يجعل زائدا عليها وترشيحا قوّة الاختصاص بالمشبه به ، فأيّهما أقوى اختصاصا وتعلّقا به فهو القرينة وما سواه ترشيح ، وكذا الحال بين القرينة والترشيح في الاستعارة المصرّحة ، والأظهر أنّ ما يحضر السامع أولا فهو القرينة وما سواه ترشيح ، ذلك أن تجعل الجميع قرينة في مقام شدة الاهتمام بالإيضاح ، هكذا في شرح بعض رسائل الاستعارة .
فائدة :
في الإتقان أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز ، وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهاما للحاجة ، ولأنه لم يرد في ذلك إذن الشارع ، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي « 2 » ، انتهى .
هامش
( 1 ) آل عمران / 103 .
( 2 ) القاضي عبد الوهاب المالكي : هو عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي ، أبو محمد . ولد ببغداد عام 362 ه /