لم يشأ لم يفعل ، فعدم الفعل لم تتعلق به المشيئة بل هو معلّل بعدم المشيئة على ما ورد به الحديث المرفوع « ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن » « 1 » وهذا المعنى متّفق عليه بين المتكلّمين والحكماء ، إلّا أنّ الحكماء ذهبوا إلى أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض والجود لازمة لذاته تعالى كلزوم العلم وسائر الصفات الكماليّة له تعالى ، فيستحيل الانفكاك بينهما ، وإنّ مشيئة الترك وعدم مشيئة الفعل ممتنع . فمقدّمة الشرطية الأولى وهي إن شاء واجبة الصدق عندهم ومقدمة الشرطية الثانية وهي إن لم يشأ ممتنعة الصدق ، وصدق الشرطية لا يتوقّف على صدق شيء من الطرفين ، فكلتا الشرطيتين صادقتان .
والمتكلمون قالوا بجواز تحقّق مقدّم كل من الشرطيتين . فالمختار والقادر على هذا المعنى هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل .
والثاني صحة الفعل والترك . فالمختار والقادر هو الذي يصحّ منه الفعل والترك . وقد يفسّران بالذي إن شاء فعل وإن شاء ترك . وهذا المعنى مما اختلف فيه المتكلّمون والحكماء فنفاه الحكماء ، لاعتقادهم أنّ إيجاده تعالى العالم على النظام من لوازم ذاته فيمتنع خلوّه عنه ، وزعموا أنّ هذا هو الكلام التام ، ولم يتنبّهوا على أنّ هذا نقصان تام ، فإنّ كمال السلطنة يقتضي أن يكون الواجب قبل كل شيء وبعده كما لا يخفى على العاقل المنصف ، وأثبته المتكلمون كلّهم وهو الحق الحقيق اللائق بشأنه تعالى لأن حقيقة الاختيار هو هذا المعنى الثاني ، لأنّ الواقع بالإرادة والاختيار ما يصحّ وجوده وعدمه بالنظر إلى ذات الفاعل . هكذا يستفاد من شرح المواقف وبعض حواشيه ومما ذكره الصادق الحلواني « 2 » في حاشية الطيبي « 3 » .
وقال مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف في بحث امتناع استناد القديم إلى الواجب :
اعلم أنّ الإيجاب على أربعة أنحاء . الأول وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل من حيث هي مع قطع النّظر عن إرادة الفاعل وغاية الفعل ، وهو ليس محلّ الخلاف لاتفاق الكلّ على ثبوت الاختيار الذي هو مقابله للّه تعالى ، بل هو عند الحكماء غير متصوّر في حقه تعالى ، فإنه لا يمكن النّظر إلى شيء وقطع النّظر عما هو عينه . والثاني وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل بأن يكون الإرادة والغاية عين الفاعل .
وبعبارة أخرى وجوب الصدور نظرا إلى ذات الفاعل مع قطع النظر عن الخارج وهذا محلّ الخلاف بين الحكماء والمتكلمين . فالحكماء ذهبوا إلى هذا الإيجاب في حقه تعالى وزعموا أنه تعالى يوجد العالم بإرادته التي هي عينه ، وذاته تعالى غاية لوجود العالم بل علّة تامة له .
والمتكلمون ذهبوا إلى الاختيار المقابل لهذا الإيجاب وقالوا إنه تعالى أوجد العالم بالإرادة الزائدة عليه لا لغرض ، أو بالإرادة التي هي عينه لغرض هو خارج عنه . والثالث وجوب الصدور نظرا إلى إرادة الفاعل والمصلحة المترتّبة على الفعل ، وهذا محلّ الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة . فالأشاعرة قالوا بالاختيار المقابل لهذا الإيجاب حيث لم يقولوا بوجود الأصلح وجوّزوا الترجيح بلا مرجّح ، والمعتزلة
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في إتحاف السادة المتقين ، 6 / 404 ، بلفظ : « ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن » .
( 2 ) الصادق الحلواني : أو الحلوائي ، هو يوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلوائي ، عز الدين . ولد في تبريز عام 730 ه / 1330 م وتوفي بالجزيرة عام 804 ه / 1402 م . مفسّر ، فقيه شافعي ، زاهد . له عدة مؤلفات . الاعلام 8 / 224 ، بغية الوعاة 421 ، الضوء اللامع 10 / 309 ، هدية العارفين 2 / 559 .
( 3 ) حاشية الطيبي أو حاشية على فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب ليوسف بن الحسن بن محمود التبريزي الحلواني .
( - 804 ه ) ، وفتوح الغيب شرح لكشاف الزمخشري في التفسير للحسين بن محمد بن عبد اللّه ، شرف الدين الطيبي ( - 743 ه ) .