والتشديد لغة الطريقة مطلقة ولو غير مرضية .
وشرعا اسم للطريقة المرضية المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب . والمراد بالمسلوكة في الدين ما سلكها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أو غيره ممّن هو علم في الدين كالصحابة رضي اللّه عنهم لقوله عليه الصلاة والسلام : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » « 1 » ، أو ما أجمع عليه جمهور الأمة لقوله عليه الصلاة والسلام « اتبعوا السواد الأعظم فإنه من شذّ شذّ في النار » « 2 » . وعرفا بلا خلاف هي ما واظب عليه مقتدى نبيّا كان أو وليّا وهي أعمّ من الحديث لتناولها للفعل والقول والتقرير ، والحديث لا يتناول إلّا القول ، والقول أقوى في الدلالة على التشريع من الفعل لاحتمال الفعل اختصاصه به عليه السلام ، والفعل أقوى من التقرير لأنّ التقرير يطرقه من الاحتمال ما لا يطرق الفعل .
ولذلك كان في دلالة التقرير على التشريع خلاف العلماء الذين لا يخالفون في تشريع الفعل . ومطلق السنة قال بعضهم تصرف إلى سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال الأكثرون إنّها لا تقتضي الاختصاص بسنة النبي عليه الصلاة والسلام لأنّ المراد « 3 » في عرف الشرعية طريقة الدين إمّا للرسول بقوله أو فعله أو للصحابة .
وعند الشافعي مختصّة بسنة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ، وهذا بناء على أنّه لا يرى تقليد الصحابة رضي اللّه عنهم لما روي عن الشافعي أنّه قال : ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فعلى الرأس والعين ، وما روي عن الصحابة فهم أناس ونحن أناس . وعندنا لمّا وجب تقليد الصحابة كانت طريقتهم متّبعة بطريق الرسول فلم يدل إطلاق السنة على أنّه طريقة النبي عليه السلام . والسّنة المطلقة على نوعين : سنة الهدى وتقال لها السنة المؤكّدة أيضا كالآذان والإقامة والسنن الرواتب ، وحكمها حكم الواجب . وفي التلويح ترك السنّة المؤكّدة قريب من الحرام ، فيستحق حرمان الشفاعة ، إذ معنى القرب إلى الحرمة أنّه يتعلّق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنار . والسنة الزائدة كالسّواك والنوافل المعينة وهي ندب وتطوع . وسنة الكفاية كسلام واحد من جماعة والاعتكاف أيضا سنة الكفاية كما في البحر الرائق وسنة عادة كالتيامن من الترجّل والتنعّل . والسّنّي منسوب إلى السّنّة انتهى من الكليات .
وحجة الإمام الأعظم على وجوب تقليد الصحابة وأقوالهم وأحوالهم قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم وعليهم أجمعين في المشكاة وتيسير الوصول « 4 » في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة « من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ ، وإيّاكم ومحدثات الأمور ، فإنّ كلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة . أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة . وأيضا في المشكاة والتيسير في الكتاب
هامش
( 1 ) سنن الترمذي ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة ، ح ( 2676 ) ، 5 / 44 .
دون لفظ : « من بعدي » .
( 2 ) الحاكم ، المستدرك ، كتاب العلم ، باب من شذ شذ في النار ، 1 / 115 .
( 3 ) المقصود ( م ، ع ) .
( 4 ) تيسير الوصول ( فقه ، أصول ) . تيسير الوصول إلى جامع الأصول . هو مختصر لكتاب جامع الأصول لأحاديث الرسول لأبي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي ( - 606 ه ) . وهو للشيخ عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الديبع الشيباني اليمني المتوفى سنه 950 ه وقيل 944 ه . حاجي خليفة : كشف الظنون ، 1 / 537 . البغدادي ، هدية العارفين ، 1 / 545 . سركيس ، معجم المطبوعات ، ص 1060 .