نفس الأمر لأن العلوم العربية علم بأحوال الموجود كالألفاظ على وجه يكون الموجود على ذلك الوجه ، ككون اللفظ مفردا أو مركبا ونحو ذلك ، لكنها ليست بنفس أمرية بل باعتبار المعتبر وضع الواضع فلا بدّ من تقييده . ولا يلزم من عدم كونها نفس أمرية كذبها ، إذ لزوم الكذب إنما يلزم لو حكم على مسائلها كذلك في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوضع ، وليس كذلك ، فإنهم يحكمون بأن بعض الألفاظ مفرد وبعضها مركّب بحسب وضع الواضع ، وهذا الحكم مطابق لنفس الأمر فلا يكون كاذبا . ولا يتوهّم دخولها على هذا في الحكمة لأن معنى نفس الأمر هاهنا هو الواقع مع غير ملاحظة الوضع .
إن قيل : قوله بقدر الطاقة البشرية يخرج علمه تعالى من الحكمة ، إذ علمه فوق طوق البشر فلا يكون هو حكيما ، قلت : علمه تعالى حاصل مع الزيادة ، والتقييد يفيد أن هذا القدر ضروري لأن الزائد على هذا القيد مضرّ . أو يقال : هذا تعريف حكمة المخلوق لا حكمة الخالق . ثم إنه لا ضير في كون الحكمة أعلى العلوم الدينية ، وكونه صادقا على الكلام والفقه ، إذ التحقيق أنّ الكلام والفقه من الحكمة . قال المحقق التفتازاني : إن الحكمة هي الشرائع ، وهذا لا ينافي ما ذكروا من أنّ السالكين بطريق أهل النظر والاستدلالات وطريقة أهل الرياضة والمجاهدات ، إن اتبعوا ملة فهم المتكلمون والصوفيون ، وإلّا فهم الحكماء المشّائيون والإشراقيون ، إذ لا يلزم منه أن لا يكون المتكلّم والصوفي حكيما ، بل غاية ما لزم منه أن لا يكون حكيما مشّائيا وإشراقيا .
إن قلت : فعلى هذا ينبغي أن تذكر العلوم الشرعية في أنواع الحكمة . قلت : لا امتناع في ذلك ، لكونها شاملة للعلوم الشرعية بحسب المفهوم ، إلّا أنّ الحكمة لما دوّنها الحكماء الذين لا يبالون بمخالفة الشرائع ، فالأليق أن لا تعدّ العلوم الشرعية منها . وأيضا العلوم الشرعية أشرف العلوم ، فذكرها على حدة إشارة إلى أنها بشرفها بالغة إلى حدّ الكمال ، كأنها منفردة من الحكمة ، وأنواعها غير داخلة فيها .
إن قيل : الحدّ لا يصدق على علم الحساب الباحث عن العدد الذي ليس بموجود ، ولا على الهيئة الباحثة عن الدوائر الموهومة ، قلت : العدد عندهم قسم من الكمّ الذي هو موجود عندهم . نعم عند المتكلمين ليس من الموجودات ، والتعريف للحكماء ، والبحث عن الدوائر الهيئية من حيث إنها من المبادئ ، وليست موضوعاتها ، بل موضوعها الأجرام العلويّة والسفليّة ، من حيث مقاديرها وحركاتها وأوضاعها اللازمة لها .
إن قيل : يصدق التعريف على علم العقول مع أنهم لا يطلقون أن العقل حكيم ، وعلى علم الأفلاك والكواكب على رأي من يثبت النفوس الناطقة لها ، فيكون الفلك والكوكب حكيما ، ولا قائل به . قلت : هذا التعريف لحكمة البشر كما عرفت . أو نقول بتخصيص العلم بالحصولي الحادث . ويجاب أيضا عن الأخير بأن هذا التعريف على رأي من لا يثبت النفوس الناطقة لها .
إن قيل : يصدق التعريف على العلم بالأحوال الجزئية المتعلقة بالأعيان كالعلم بقيام زيد ، قلت :
إنّ المراد بالأحوال ما له دخل في استكمال النفس وهذه الأحوال ليست كذلك ، أو المراد ما يعتدّ به من الأحوال . ثم المراد من الأحوال جميع ما يمكن لأوساط الناس العلم به أو البعض المعيّن المعتدّ به مع القدرة على العلم بالباقي بقدر الطاقة على ما هو شأن جميع العلوم المدوّنة . فحاصل
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم — صفحة 48
مساهمون: محمد علي التهانوي
ص٤٨