تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
أمرا واردا من خارج ، فهو وإن كان قسرا ، إلّا أنّا لا نسلّم تلك الكلّيّة ، بل القسر يمكن أن يدوم إذا كان سببه دائما كما في ما نحن فيه . نعم ، إذا كان سببه منقطعا يكون هو أيضا منقطعا ، وليس الحال هنا كذلك . وأمّا ما ذكر من أنّ الرحمة الإلهيّة وسعت كلّ شيء فهو كذلك ، حيث إنّ كلّ موجود من الموجودات ، ناطقها وصامتها ومكلّفها وغير مكلّفها تعمّها نعمة الإيجاد ، وما يتبعها من إعطاء كلّ شيء خلقه وما يحتاج هو إليه ويليق بحاله وشأنه ، وهذا لا ينافي أن يكون عذابه المخصوص كعذاب الآخرة مخصوصا بجمع كالكفّار ، وأن يكون رحمته المخصوصة كرحمة الآخرة مخصوصة بجمع كالمؤمنين ، كما قال تعالى :
عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) )
« 1 » . وأمّا ما ذكر ، من أنّ الباري جلّ شأنه كما أنّه لا ينفعه الطاعة ولا يضرّه المعصية ، كذلك لا يضرّه الثّواب ولا ينفعه العقاب ، فهو أيضا كذلك ، إلّا أنّ العقاب والعذاب ، وخلودهما هو مقتضى الحكمة المتعالية ، كما عرفت . وأمّا ما ذكر من : « أنّ العقاب الدّائميّ لا منفعة فيه لأحد ولا خير ، بل هو شرّ محض ، ويمتنع صدوره عن الخير بالذات » . فهو ممنوع . لأنّا لا نسلّم كونه شرّا بل هو خير ، حتّى بالنسبة إلى المعذّبين أيضا . كما قيل « 2 » : إنّه جعل اللّه تعالى النار وقاية لما هو أعظم منها وأشدّ في حق المبتلى به وهو غضب اللّه تعالى ، وأنّه كما أنّ النار في النّشأة الدنيويّة تتّخذ وقاية لبعض الأمراض الذي لا ينفى إلّا بالكيّ ، كذلك قد تتّخذ في النّشأة الأخرويّة وقاية لغضب اللّه تعالى الذي يترتّب على الكفر والشرك وأمثالهما . وبالجملة ، فيمكن أن يكون العذاب الأخرويّ صلاحا لحال العاصين وخيرا لهم أيضا .
هامش
( 1 ) - الأعراف ( 7 ) : 156 . ( 2 ) - القائل هو ابن العربيّ في الفتوحات المكّيّة .
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 284 | ملا نعيما العرفي الطالقاني