تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
فإن قلت : إنّ الأخبار الدالّة على تجسيم الأعمال تدلّ على تجسيم أعمال المحسنين بصورة الحور والقصور والولدان ونحو ذلك ، وأعمال المسيئين بصورة الحيّات والعقارب والنيران ونحو ذلك ، فما معنى وزنها ؟ قلت : لا امتناع في وزنها حتّى يظهر ثقلها أو خفّتها . مع أنّه يمكن أن تكون تلك الأعمال مع تجسّمها بتلك الصّور المذكورة متجسّمة حين الوزن بصور جسمانيّة أخرى مؤلمة أو ملذّة ، ويقع الوزن على تلك الأجسام الأخرى ، وتكون الأجسام الأولى والأخرى كلّها مظاهر لتلك الأعمال . فإنّك قد عرفت فيما مضى أنّه يمكن أن يكون لحقيقة واحدة مظاهر متعدّدة ، على أنّه يمكن أن يكون الموزون بذلك الميزان الحسّيّ صحائف الأعمال لا نفس الأعمال ، أي أن يكون تلك الصّحائف الجسمانيّة من حيث كونها مشتملة على الأعمال المكتوبة فيها ، وكون ثقلها وخفّتها دليلا على ثقل الأعمال وخفّتها موزونة . وأمّا القول بأنّه توزن الأشخاص ، فهو وإن كان يدفع هذا الإشكال أيضا ، إلّا أنّه خلاف الظاهر من الأخبار ، بل مستبعد جدّا ، فإنّ ثقل الأشخاص من حيث كونها أشخاصا وخفّتها ، كيف يكون دليلا على ثقل الأعمال وخفّتها اللّذين هما مناط الرجحان وعدمه ، وسبب الحكم على المكلّفين بالإساءة أو الإحسان . اللهمّ إلّا أن يكون المراد بوزن الأشخاص وزن أعمالهم أو وزن صحائف أعمالهم ، فيرجع إلى السّابق . وكذا الحديث الذي نقله البيضاويّ « 1 » : « من أنّه روي عنه عليه السّلام ، أنّه قال : « ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة » ، غير صريح ولا ظاهر في وزن الأشخاص ، فإنّه يمكن أن يكون معنى الحديث - واللّه أعلم - أنّه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا قدر له عند اللّه تعالى بقدر جناح بعوضة ، لكونه ممّن لا عمل خير له ، ويؤيّده ما ذكره الشيخ الطبرسيّ رحمه اللّه في « مجمع البيان » في تفسير قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) )
« 2 » . بهذه العبارة :
هامش
( 1 ) - تفسير البيضاويّ 3 / 3 . ( 2 ) - الكهف ( 18 ) : 105 .