تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
موضعه ، بل إنّ ذلك وجوب لاحق ، بمعنى أنّه تعالى لما علم في الأزل أنّه يصدر فيما لا يزال عن العبد بإرادته واختياره الفعل - كما هو مذهب الحكماء أيضا - فلذا تعلّق العلم الأزليّ به ، وحيث تعلّق العلم الأزليّ به ، وجب أن يكون هو مطابقا له ، والّا لزم جهله تعالى . وبالجملة ، فهذا الوجوب وجوب لاحق باختيار العبد وإرادته ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يؤكّده . فحينئذ إن سئل عن أنّه لم يعاقب الانسان على شيء صدر عنه على سبيل الوجوب والاضطرار ؟ سقط السؤال البتة ، لأنّه ليس على سبيل الوجوب والاضطرار ، وإن سئل عن أنّه لم يعاقب على شيء صدر عنه بالاختيار أو على سبيل الوجوب بالاختيار ؟ كان الجواب أنّه لمّا ارتكب بإرادته واختياره الأفعال المنهيّة عاقبة اللّه تعالى على عصيانه . وبتقرير آخر أنّه لما كان فعل العبد صادرا عنه بإرادته واختياره - كما هو مذهبهم - وكان قدرته واختياره مسبّبين عن أسباب ، ومن أسباب إرادته فعل الخير التخويف والعقاب ، وهما من الأسباب المقدّرة لنظام العالم ، كما أنّ فعل الخير مقدّر قدّره تعالى تكليفا وتخويفا وأوفي به فإن سئل عن أنّه لمّا كان فعل العبد مقدّرا ، فلم التخويف أو لم العقاب ؟ كان الجواب عنه ، بأنّهما من أسباب فعل الخير الصادر عن العبد . وبعبارة أخرى لمّا كانت النّفس الإنسانيّة في علم الباري تعالى قابلة للكمالات ، وكانت العناية الأزليّة والحكمة المتعالية اقتضت إفاضته تلك الكمالات عليها ، لكن بحسب استعدادات تحصل هي لها من أفاعيلها الإراديّة ، وكانت فيها قوى تمنعها عن تلك الأفاعيل وتميلها إلى أفاعيل بالإرادة تضادّها قدّر تعالى تكليفا وتخويفا يكون من أسباب إرادته الأفاعيل الجميلة ، ولما كان الوفاء بذلك التخويف أيضا من أسباب ذلك مؤكّدا له ، والوفاء بالتخويف هو العقوبة ، لا جرم صارت العقوبة سببا من أسباب إرادة العبد للأفاعيل الجميلة ، وتلك العقوبة كما أنّها من أسباب إرادة الأفاعيل الجميلة ، كذلك هي واقعة على العبد بفعله بالاختيار للأفعال القبيحة لا محذور أصلا . لا يقال : سلّمنا أنّ التخويف من أسباب إرادة الأفعال الجميلة ، لكنّا لا نسلّم أنّ الوفاء