تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
زوالها عنها لعروض أسباب زوالها ، فلا امتناع في زوال تلك الهيئة عنها وانقطاع العقاب بحسبها . وعلى تقدير بقاء ذات تلك الهيئة أيضا ، فلا امتناع في بطلان تلك الصورة المؤلمة التي تصوّرت تلك الهيئة بصورتها ، بحسب أسباب تعرض هناك من توبة أو شفاعة أو نحو ذلك ، وإن لم يكن نعلمها . وعلى تقدير بقاء تلك الصورة المؤلمة أيضا فلا امتناع في بطلان إيلامها وإيذائها ، فإنّ ما ذكرنا أنّ العقاب الجسمانيّ لازم للأعمال ، لم نعن به أنّه لازم لماهيّة تلك الأعمال والهيئات ، حتّى لا يمكن انفكاكه عنها ، بل عنينا به أنّه لازم للوجود الخارجيّ لها ، ولا امتناع عقلا في أن يبقى ماهيّتها وذاتها وينفكّ عنها لازم وجوده الخارجيّ بسبب من الأسباب العارضة . بل ربّما يدّعى أنّ الشرع دلّ عليه كما في قصّة إبراهيم على نبيّنا وعليه السلام ، وجعل النار عليه بردا وسلاما مع بقاء ذات تلك النار على ما هي عليه من مادّتها وصورتها . فظهر ممّا ذكرنا أنّ تلك الشّبهة - على تقدير تجسيم الأعمال - لا ورود لها أصلا ، لا على مذهب الحكماء ولا على مذهب غيرهم . نعم ، تلك الشبهة إنّما ترد ظاهرا على تقدير وقوع العقاب من خارج ، وعلى هذا التقدير أيضا ، فإن أوّل بما يؤوّل إلى تجسيم الأعمال ، سقطت تلك الشّبهة أيضا . وذلك التأويل بأن يقال : يمكن أن يكون ذلك العقاب الخارجيّ أيضا لازما لتلك الأعمال مسبّبة عنها وصورة لها ، لا بأن يكون قد تصوّر العمل نفسه بصورة ذلك العمل كما ذكرنا في الوجه الثاني من وجهي تجسيم الأعمال ، بل بأن يكون أوجد اللّه تعالى لحكمته القديمة وعنايته الأزليّة وعمله بالوجه الأصلح وبما يقتضيه نظام العالم بجملته ، لكلّ عمل صورة مناسبة لها خارجة عن ذاتها مسبّبة عنها ، كما ذكرنا في الوجه الأوّل من وجهي تجسيم الأعمال . وحينئذ ، فلو قلنا بوجود الجنّة والنار الآن وخلقها قبل صدور الأعمال من العباد كما هو مذهب جمهور المسلمين ، وهو ظاهر الشرع المتين والحقّ المبين ، ينبغي القول بخلق تلك الصور المناسبة لتلك الأعمال قبلها . وربّما يدّعى أنّه ممّا يؤيّده بعض الآيات والأخبار ، كقوله :
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
منهج الرشاد في معرفة المعاد — صفحة 149 | ملا نعيما العرفي الطالقاني